اجتماعيةشخصيات وأعلامعاممرئياتمقالات تربوية

الراكب المهاجر

الشيخ د. عبدالوهاب الطريري
هذا مشهد لرجل تلقاه النبي ﷺ بحفاوة، وتعامل معه بنبل، واحتواه بتألف.
كان أبوه أعدى أعداء الرسالة، كان أبوه فرعون هذه الأمة، قُتِل أبوه يوم بدر بعد أن أذكى نار الحرب على الله ورسوله، فورث عداوة أبيه وزاد عليها، فكان من قواد جيش المشركين في معركة أحد، وما جرى فيها على رسول الله ﷺ وأصحابه من القتل والتمثيل وجراحات المسلمين، ثم كان ممن لجَّ في العداوة حينما دخل النبي ﷺ مكة فاتحا، فقاد فريقا من الأوباش ليقاتل بهم النبي ﷺ وأصحابه، فلما هزموا أمام جيش الفتح هرب فارّاً إلى البحر، ليغادر كل أرض يوجد فيها رسول الله ﷺ، وليتباعد عنه ما وسعه البعد، وليكون بينه وبين النبي ﷺ بر وبحر.
وإذا بالنبي ﷺ يدركه بالأمان، ويرسل إليه زوجته تبشره بعفو رسول الله ﷺ عنه، وأمانه له، فعادت به زوجُه إلى النبي ﷺ، فلما علم النبي ﷺ بمَقْدَمه جعل يُنَقِّي الأجواء لقدومه، ويأمر أصحابه أن لا يتكلموا بسوء عن أبيه، وهو الأشد عداوة لرسول الله ﷺ، فأبوه هو أبو جهل، وهو عكرمة ابنُ أبي جهل، فقال النبي ﷺ: «لا تَسُبُّوا الأَمْوَاتَ، فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤْذِي الحَيَّ، وَلَا يَضُرُّ المَيِّتَ»( ).
فلما أقبل على النبي ﷺ تلقاه ﷺ مُرَحِّباً، فلم يقل له: ها قد أتيت أيها الهارب، ولكن حيّاه بوصف جميل، فقال: «مَرْحَبًا بِالرَّاكِبِ المُهَاجِرِ»( ).
فيا لله ما أجمل هذا الوصف! وما أكرم هذا الترحاب! الذي طوى تلك العداوة الطويلة المريرة، واستقبل العائد بحفاوة وإكرام.
فما كان من عكرمة إلا أن تجاوز العداوة إلى المحبة، والكفر إلى الإيمان، وصار من أصحاب رسول الله ﷺ المؤمنين به، المتبعين له، فأَحَبَّ النبي ﷺ أشدَّ الحب، وآمن به أصدق الإيمان، وكان يُقبِّل المصحف ويقول: «كلام ربي، كلام ربي»( ). وإذا بالرجل ـ الذي قُتل أبوه وهو يحارب الله ورسوله ـ يُقتل هو مجاهداً شهيدا في سبيل الله، فكان أحد الشهداء في معركة اليرموك.
لقد كانت هذه طريقة النبي ﷺ في التعامل مع أصحاب السوابق والخطايا إذا تجاوزوها.
فلم يُعلَم أن النبي ﷺ طوال صحبة عكرمة له ذكَّره بماضيه، أو ذكر له يوماً حال أبيه، وإنما استأنف معه الحياة، فعاش بين المسلمين كأحدهم، لا يُعرَف إلا بإيمانه، وصدق يقينه، وطويت صفحة العداوة السابقة، ليحل الحبُّ محل الكُره، والموالاةُ محل العداوة، والإيمانُ محل الكفر.
وهكذا كان حال النبي ﷺ مع كلِّ أصحاب السوابق والخطايا الماضية، يُسدُل عليها ستار السَّتر، ويحجبها بحجاب العفو، ويمنع من ذكرها أو التَّذكير بها، فلم يُذكِّر أبا سفيان بعداوته السابقة ولم يقل له: «أنت الذي قاتلت يوم أحد، وحاصَرت يوم الخندق، وصدَدْت يوم الحديبية»، كلا، وإنما قال: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ»( )، وأعطاه مئة من الإبل، وتألفه على الإسلام حتى صار من رجال الدين، وحملة الرسالة.
إن هذا هو الهدي النبوي في التعامل مع الخاطئين، أَلَّا يُذَكَّرُوا بخطاياهم، وألَّا يُعَيَّروا بسالف ذنوبهم، وأن يُذكَر كل أحد بإيجابياته لا بسلبياته، وبحسناته لا بسيئاته، وبذلك يتعافى المخطئون من خطاياهم، ويسهل عليهم استئناف حياتهم، والاستقامة في سلوكهم.
وهذا الهدي النبوي ينبغي أن يستعمله الأب مع أبنائه، والزميل مع زملائه، وكلٌّ منا مع مجتمعه، فكلنا ذو خطأ، فينبغي أن لا نعين الشيطان على مَن زَلَّ أو وقع في خطأ، كما قال ﷺ: «لَا تَكُونُوا عَوْنَ الشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ»( ). وتذكير الخاطئ بخطئه، أو تعييره به هو من إعانةِ الشيطان عليه، وسدِّ طريق التوبة أمامه.

Related Articles

Back to top button