مَرَق السُلطان واحتِراق اللسان

الشيخ د. ونيس المبروك
إذا خالفَ العلماءُ والدعاةُ القِيَمَ التي يأمرونَ الناسَ بها، فركنوا إلى الظالمينَ، أو برّروا ظلمَهم، وتمسّحوا بالفاسدينَ، أو أكلوا من أموالِهم؛ فإنَّ اللهَ تعالى «يُضاعِفُ» لهم العذابَ!
لماذا؟
لأنَّ معصيةَ العالِمِ وقعتْ بعدَ بيّناتٍ من العلمِ؛ فلا يُعذَرُ بجهلِهِ.
ولأنَّ أعينَ الناسِ متعلّقةٌ بأفعالِ علمائِهم؛ فإذا فسدَ العالِمُ سقطَ من أعينِهم، ورَقَّ دينُهم، وارتابوا في كلِّ مَن يدعو إلى الفضيلةِ، واتّخذَ الناسُ بعدهم ـ كما أخبرَ النبيُّ صلّى اللهُ عليه وسلّم ـ رؤوسًاء جُهّالًا، فضلّوا وأضلّوا.
لقد فَقِهَ العلماءُ الربّانيّونَ هذه المعادلةَ؛ فقالَ أحدُهم: «كنّا نأتي كثيرًا من المباحِ، فلمّا صرنا يُقتدى بنا تركناه».
وكانوا يحذّرونَ من الاقترابِ من موائدِ اللصوصِ والسلاطينِ، ويقولونَ:
«مَن أكلَ من مرقةِ السلطانِ احترقَ لسانُه، ولو بعدَ حينٍ».
أي: عجزَ لسانُه عن بيانِ منكرِهم، وانقلبتْ مواعظُه إلى حروفٍ وكلماتٍ ميّتةٍ لا روحَ فيها؛ تصلُ إلى آذانِ الناسِ، ولكنّها لا تصلُ إلى قلوبِهم
فيا أهلَ العلمِ، لا تذمّوا الدنيا حينَ تُصبحونَ، ثمَّ ترضعونَها حينَ تُمُسونَ!
ولا تذمّوا فرعونَ، ثمَّ تصطفّوا مع سحرتِهِ وجندِهِ.
ولا تذمّوا قارونَ، ثمَّ تنتفعوا بكنزِهِ، وتأكلوا من فُتاتِ مائدتِهِ.
ولا تأمروا الناسَ بالبِرِّ من فوقِ المنابرِ، ثمَّ تنسوا أنفسَكم.
وكلُّنا ذو خطأٍ،
وخيرُ الخطّائينَ التوّابونَ.



