سرُّ الصيام: قلبٌ يُطهر ليحيى لا جسدٌ يَمتنع

الشيخ د. بن سالم باهشام :
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
أيها الأحبة، بما أن بالمثال يتضح المقال، فتأملوا معي هذه الصورة البسيطة والعميقة لنستخلص منها العبر، والله عز وجل يقول في سورة الحشر: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ) [الحشر: 2]
تذكر القصة أن طفلا وقف يتأمل الساعة المعلقة على الحائط في منزلهم، فلاحظ أن عقاربها تشير إلى وقت غير صحيح. طلب من والده أن يضبطها، فتقدم الأب، وحرّك العقارب حتى وافقت الوقت. لكن المفاجأة؛ أن العقارب بقيت ثابتة لا تتحرك. فتساءل الابن متعجبا عن السبب؟ ابتسم الأب وقال لابنه: يا بني، الخلل ليس في العقارب، بل في الجهاز الداخلي للساعة، والذي هو المحرك لها حركة صائبة، فإذا صلح تحركت العقارب في الاتجاه الصحيح، وصلحت الساعة كلها. وأصبحت لها قيمة عند كل أفراد الأسرة، وهكذا الإنسان مع الصيام، فليس المقصود بالصيام شرعا أن نجوع ونعطش فحسب، ولا أن تمسك الجوارح ظاهراً، بينما القلب غافل، فالجوارح هي مثل عقارب الساعة، والقلب هو الجهاز الداخلي للساعة، والمحرك لها، فإذا اهتممنا بالقلب، وركزنا عليه، وأصلحناه، وطهرناه حتى أصبح سليما، استقامت العين واللسان واليد، والجوارح كلها، وصلح بذلك الإنسان كله، فأصبحت كل حركاته صالحة، تفيده وتفيد غيره، وأصبح لهذا الإنسان قيمة عند الله، وعند الناس، وإذا أهملنا القلب، فسد الإنسان، وفسدت تصرفاته، وبقيت الأعمال حركات بلا روح. رَوَى الْبُخَارِيُّ ومُسْلِم من أوجه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (…أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ). إذا صلح القلب، استقامت الأفعال، وإذا فسد بقيت الأعمال حركاتٍ بلا روح. بل تصبح تلك الحركات وبالا على الفرد والمجتمع، لهذا؛ فالصيام الحقيقي هو الذي يورث التقوى، والتقوى محلها القلب، قال تعالى في سورة البقرة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ *أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ) [البقرة: 183، 184]، والتقوى هي أن يجدك الله حيث أمرك، ويفقدك حيث نهاك، وصيام القلب: يكون بالصوم عن الحقد، وعن الغفلة، وعن القسوة، فإذا صفا القلب، أثمر الصيام سكينةً ورحمةً وأخلاقاً طيبة، وخشوعاً. أيها الأحبة، هذه رسائل عملية نخرج بها بعد استيعاب الدرس:
1️- الصحبة الصالحة حياة للقلوب: لأن الصحبة مفتاح: مفتاح لكل خير، ومغلاق لكل شر، روى أَبُو داود، والترمذي بإسناد صحيح، وَقالَ الترمذي: حديث حسن، عن أَبي هريرة – رضي الله عنه – : أن النَّبيّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: (الرَّجُلُ عَلَى دِينِ خَلِيلِهِ، فَليَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخَالِلُ) [أخرجه : أبو داود ( 4833 )، والترمذي
( 2378 ) وقال: حديث حسن غريب]. فصاحب أرباب القلوب ليصبح لك قلب، فالصاحب ساحب. وإياك أن تصاحب من لم ينهضك حاله، ولا يدلك على الله مقاله.
2 – راقب قلبك قبل جوارحك: راقب قلبك كل يوم قبل أن تراقب أفعالك. واسأل نفسك كل يوم: ماذا تغيّر في قلبي؟ هل زاد قرباً من الله أم بقي كما هو؟
3 – لا تكتفِ بصيام المعدة: اجعل لسانك صائماً عن الغيبة، وعينك عن الخيانة، وأذنك عن اللغو. وأطرافك عن الحرام، وفرجك عن الزنا.
4 – غدّ الجهاز الداخلي: بالقرآن، فهو شفاء للقلوب، قال تعالى في سورة يونس: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ) [يونس: 57]، وغده بالذكر المطهر الذي هو الاستغفار، روى الطبراني في معجمه الصغير، عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن للقلوب صدأ كصدأ الحديد، وجلاؤها الاستغفار) [أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1/441، رقم 649). والطبراني في الصغير (1/307، رقم 509)، وفي الأوسط (7/74، رقم 6894)]. وغده بالذكر المنور له، والذي هو الصلاة على المختار، والتي بها يخرجك الله من الظلمات إلى النور، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم- : (… فَإِنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ يُصَلِّى عَلَىَّ صَلاَةً إِلاَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا)، وصلاة الله على عبده، إخراج له من الظلمات إلى النور، قال تعالى في سورة الأحزاب: (هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا) [الأحزاب: 43]
وغده بالذكر المعمّر للقلوب بعد تجديد الإيمان فيها، والذي هو كلمة التوحيد التي يعتبر قولها أعلى شعب الإيمان، روى أحمد، وعبد بن حميد، والحاكم، عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (جددوا إيمانكم، قيل: يا رسول الله، كيف نجدد إيماننا؟ قال: أكثروا من قول: لا إله إلا الله) [أخرجه أحمد (2/359، رقم 8695)، قال الهيثمي (1/52): إسناده جيد، وفيه سمير بن نهار، وثقه ابن حبان. وعبد بن حميد (ص 417، رقم 1424)، والحاكم (4/285، رقم 7657) وقال: صحيح الإسناد. وأبو نعيم في الحلية (2/357)] . وغده بالدعاء الذي هو العبادة، روى أبو داود، والنسائي في” الكبرى”، والترمذي، وابن ماجه، وقال الترمذي:” هذا حديث حسن صحيح”، عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ – رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا- عَنِ النَّبِيِّ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: – (إِنَّ اَلدُّعَاءَ هُوَ اَلْعِبَادَةُ)، [رواه أبو داود (1479)، والنسائي في” الكبرى” (6 / 450). والترمذي (3247)، وابن ماجه (3828)، وزادوا ثم قرأ:” وقال ربكم ادعوني استجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين” غافر: 60، وقال الترمذي:” هذا حديث حسن صحيح”]، فهذه الأذكار هي وقود القلب، كما أن البطارية وقود الساعة.
5 – أصلح النية في كل عبادة: فالنية الصادقة هي التي تمنح العمل الحياة والتأثير.
6 – ابحث عن ثمرة الصيام: إذا لم يزدك الصيام حلماً وهدوءاً ورحمة، فاعلم أن القلب يحتاج لمراجعة.
الخلاصة:
كما لا تنفع عقارب الساعة إذا تعطل محركها، لا تنفع حركات الإنسان إذا لم يصلح قلبه. فاجعل همّك في هذا الموسم، أن تُصلح الداخل، لأن الله ينظر بالأساس إلى القلوب، روى مسلم، عنْ أبي هريرةَ – رضي الله عنه – ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ الله – صلى الله عليه وسلم – :( إنَّ الله لا ينْظُرُ إِلى أجْسَامِكُمْ ، ولا إِلى صُوَرِكمْ، وَلَكن ينْظُرُ إلى قُلُوبِكمْ وأعمالكم) [أخرجه: مسلم 8/11 (2564 ) (34)]، فإذا صلحت القلوب، تحركت حياتك كلها في الاتجاه الصحيح. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.



