اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

توجيهات تربوية من سورة المسد ماذا تحمل في طريقك؟

أ. محمد العوامي
قال الله تعالى:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ ۝ مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ ۝ سَيَصْلَىٰ نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ ۝ وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ ۝ فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾
[المسد: 1-5].
خمس آيات قصيرة في مبناها، عظيمة في معانيها ودلالاتها؛ لا تقف عند بيان موقف أبي لهب وزوجته من رسول الله ﷺ، بل تفتح أمام المتدبر أبوابًا واسعة من العبر والتوجيهات: قيمة الإنسان بموقفه وعمله، وخطورة تسخير النعم في محاربة الخير، ومسؤولية الفرد عن اختياراته، وأن المآلات قد تكون على خلاف ما توحي به البدايات.
ومن الصور التي تقرّب إلينا جانبًا من هذه المعاني: المقارنة بين امرأتين من مكة عاصرتا الدعوة النبوية، لكن كل واحدة منهما اختارت أن تسخّر جهدها في طريق مختلف.
أما أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما، ذات النطاقين، فقد سخّرت جهدها في خدمة الهجرة ونصرة رسول الله ﷺ وأبيها. وثبت في صحيح البخاري أنها أعدّت سفرة النبي ﷺ وأبي بكر رضي الله عنه، فلم تجد ما تربط به السفرة والسقاء، فشقت نطاقها، فسميت ذات النطاقين.
وفي الجهة الأخرى تظهر امرأة أبي لهب في قول الله تعالى:
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
وقد ذكر المفسرون في معنى حملها الحطب أقوالًا؛ منها أنها كانت تحمل الشوك فتطرحه في طريق رسول الله ﷺ، وقيل: إن ذلك تصوير لسعيها بالنميمة وإيقاد العداوة والفتنة.
وبصرف النظر عن اختلاف الأقوال في تفاصيل الصورة، فإن المقابلة التربوية بالغة الدلالة:
امرأة سخّرت جهدها في نصرة الحق، وأخرى سخّرته في محاربته.
قد تكون البيئة واحدة، والزمان واحدًا، والخطوات متشابهة، لكن الذي يحدد قيمة المسير هو:
○ إلى أين تتجه؟ ولمن تعمل؟ وماذا تحمل معك؟
ومن هنا يأتي السؤال الذي يمكن أن يصاحبنا ونحن نتدبر سورة المسد:
○ ماذا نحمل في طريقنا؟ وأين نقف من الحق؟
أولًا: قيمة الإنسان بموقفه من الحق، لا باسمه ونسبه
كان أبو لهب عمَّ رسول الله ﷺ، قريبًا منه نسبًا، ومن بيت ذي مكانة في قريش، لكن هذه القرابة لم تنفعه حين اختار الوقوف في مواجهة الحق.
بل خُلِّد موقفه في كتاب الله:
﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾.
وهنا تهدم السورة ميزانًا بشريًا يتكرر في كل زمان: الاغترار بالأنساب والأسماء والألقاب والانتماءات.
فلا يكفي أن يكون الإنسان ابن أسرة صالحة، أو قريبًا من العلماء، أو عاملًا في مسجد، أو منتسبًا إلى مؤسسة دعوية، أو حاملًا لقبًا علميًا؛ إن لم يصدّق ذلك إيمانٌ وعملٌ واستقامة.
قال تعالى:
﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ﴾ [الطور: 21].
فالإنسان لا تحدد منزلته أسماء من حوله، وإنما يحددها موقفه هو من الله والحق، وما يقدمه من عمل.
ثانيًا: المال والمكانة أمانة وابتلاء، لا ضمان للنجاة
قال تعالى:
﴿مَا أَغْنَىٰ عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾.
كان لأبي لهب مال ومكانة، لكن القرآن يعلن سقوط هذه المقاييس حين تنفصل عن الإيمان والعمل الصالح.
فالمال نعمة إذا كان في يد الإنسان لا في قلبه، وإذا سُخِّر في الخير والإصلاح؛ لكنه لا يشتري الهداية، ولا يصنع النجاة من عذاب الله.
وهذا درس نحن أحوج ما نكون إليه في زمن أصبحت فيه معايير النجاح عند كثير من الناس مرتبطة بالثروة والشهرة والمناصب والألقاب وعدد المتابعين.
والقرآن يعيد ترتيب الموازين:
ليس السؤال: ماذا تملك؟ بل: ماذا صنعت بما تملك؟
فالمال والعلم والمنصب والشهرة والقدرة على التأثير كلها أمانات، وقيمتها الحقيقية تتحدد بالوجهة التي سُخرت لها.
ثالثًا: الإنسان مسؤول عن موقفه واختياره
لم تذكر سورة المسد أبا لهب وحده، بل ذكرت امرأته معه:
﴿وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
وهذا يذكّر بمسؤولية كل إنسان عن عمله واختياره؛ فالرجل والمرأة كلاهما قادر على صناعة الأثر، وكلاهما مسؤول أمام الله عما يقدم.
وقد قدم تاريخ الدعوة نماذج مشرقة للمرأة في نصرة الحق؛ فخديجة رضي الله عنها آزرت رسول الله ﷺ وواسته بنفسها ومالها، وأسماء رضي الله عنها أسهمت في خدمة الهجرة، وفي المقابل تعرض سورة المسد نموذجًا لامرأة سخّرت طاقتها في مناصرة الباطل وأذية رسول الله ﷺ.
فليس الإنسان هامشًا في مجتمعه، ولا هو معذور بمجرد فساد البيئة من حوله.
كل واحد منا يحدد موقعه بمواقفه، ويكتب بأعماله الصفحة التي سيلقى الله بها.
رابعًا: لا تنظر إلى مشقة الطريق، بل إلى نهايته
الحياة في حقيقتها طريق اختيار وابتلاء.
قال تعالى:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10].
وطريق الحق ليس دائمًا الطريق الأسهل؛ فقد يحتاج إلى صبر، وتضحية، ومجاهدة للنفس، وبذل للوقت والمال والراحة.
وفي المقابل قد يبدو طريق الباطل أكثر موافقة للمصلحة العاجلة أو الشهوة أو العصبية أو رغبة الإنسان في المحافظة على مكانته ومكاسبه.
لكن المؤمن لا يقيس الطريق ببدايته، بل ينظر إلى نهايته.
قال النبي ﷺ:
«حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات» رواه مسلم.
لذلك فالسؤال الصحيح ليس:
○ أي الطريقين أسهل؟
وإنما:
○ إلى أين ينتهي هذا الطريق؟
فكم من مشقة قصيرة أورثت راحة لا تنتهي، وكم من لذة عابرة أورثت حسرة طويلة.
خامسًا: احذر أن تكون «حامل حطب» في عصر الشاشات
من أكثر صور سورة المسد قدرة على مخاطبة واقعنا قول الله تعالى:
﴿حَمَّالَةَ الْحَطَبِ﴾.
وقد ذكر المفسرون في الحطب أقوالًا؛ منها الشوك الذي كانت تحمله للأذى، ومنها ما يتصل بسعيها بالنميمة وإيقاد العداوة.
ومن هنا يمكن أن نستحضر معنى تربويًا شديد الصلة بعصرنا:
كم من إنسان اليوم لا يحمل حطبًا على ظهره، ولكنه يحمله في هاتفه!
إشاعة ينشرها، وخبر كاذب يعيد إرساله، ومقطع يقتطعه من سياقه لتشويه إنسان، وكلمة يشعل بها خصومة، ومنشور يطعن به في الأعراض، وتعليق يزرع الكراهية، ورسالة ينقل بها كلام إنسان إلى آخر حتى يفسد بينهما.
في عصر وسائل التواصل أصبح إشعال الفتن أسرع وأوسع أثرًا؛ فما كان يحتاج يومًا إلى الانتقال من مجلس إلى مجلس، قد تفعله اليوم ضغطة واحدة تصل إلى آلاف الناس.
ولهذا يحتاج المؤمن، قبل أن يضغط زر «إرسال» أو «مشاركة»، أن يسأل نفسه:
○ هل أحمل نورًا… أم أحمل حطبًا؟
سادسًا: نعمك وأدواتك إما حجة لك أو عليك
قال تعالى: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾.
إنها صورة شديدة للمآل والعقوبة.
ومن المعاني التربوية التي يمكن استلهامها من هذا المآل أن الإنسان ينبغي أن يراقب كيف يستخدم ما منحه الله من قدرات وأدوات.
لسانك أداة، ويدك أداة، ومالك أداة، وهاتفك أداة، وعلمك أداة، ومنصبك أداة، وعلاقاتك أداة، وقدرتك على التأثير أداة.
وكل واحدة منها يمكن أن تكون بابًا إلى رضوان الله، ويمكن بسوء استخدامها أن تتحول إلى سبب للحسرة.
فلا يكفي أن تسأل:
ماذا أملك؟
ولكن اسأل:
○ في ماذا أستخدم ما أملك؟
فالنعمة لا يكتمل شكرها بمجرد الفرح بوجودها، وإنما بحسن توجيهها فيما يرضي الله وينفع عباده.
سابعًا: لا تحتقر عملًا صغيرًا في نصرة الحق
ومن المعاني الجميلة التي نستفيدها من موقف أسماء رضي الله عنها أن خدمة الحق ليست دائمًا مواقف ضخمة يراها الناس.
فسفرة تُجهّز، وسر يُحفظ، وحاجة تُقضى، وخطوة صغيرة يؤديها صاحبها بإخلاص؛ قد تصبح جزءًا من حدث عظيم.
وهذا يفتح أبواب الخير أمام الجميع.
قد لا تكون عالمًا أو خطيبًا أو صاحب مؤسسة، لكنك تستطيع أن تعين طالب علم، وتربي طفلًا، وتخدم أهل القرآن، وتدعم مشروعًا نافعًا، وتنشر علمًا صحيحًا، وتدافع عن مظلوم، وتصلح بين اثنين، وتقول كلمة طيبة يحتاج إليها إنسان.
قال النبي ﷺ:
«لا تحقرن من المعروف شيئًا» رواه مسلم.
في طريق الحق لا يوجد عمل صغير إذا عظمت النية وصدق الإخلاص.
فلا تحتقر ما تستطيع تقديمه؛ فقد يبارك الله في عمل يسير حتى يبلغ أثره ما لم يخطر لك على بال.
ثامنًا: ماذا تحمل في طريقك؟
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى معنا بعد قراءة سورة المسد:
○ ماذا أحمل وأنا أسير في هذه الحياة؟
هل أحمل علمًا أم جهلًا؟
هل أحمل إصلاحًا أم فتنة؟
هل أحمل كلمة تجمع أم كلمة تفرق؟
هل أفتح أبواب الخير أم أضع العراقيل أمام أهله؟
هل أستخدم مالي ووقتي وعلمي وهاتفي ومكانتي في بناء المعروف أم في نشر الأذى؟
وإذا مررت في حياة الناس، فهل أترك وراءي نورًا أم جراحًا؟
كل واحد منا يحمل شيئًا في طريقه، وإن اختلفت الأحمال.
ومن أخطر ما يصيب الإنسان أن ينشغل بسرعة سيره ولا ينتبه إلى الاتجاه الذي يسير فيه، أو يفرح بكثرة ما يحمل ولا يسأل عن قيمة ما يحمله.
فالعبرة ليست بكثرة الحركة، وإنما بصحة الوجهة.
● بين مسارين
سورة المسد ليست مجرد حديث عن أبي لهب وزوجته؛ بل هي مرآة تربوية يتأمل الإنسان من خلالها مواقفه واختياراته.
قد يعيش اثنان في البيئة نفسها، ويسمعان الحق نفسه، ويمتلكان فرصًا متقاربة، ثم يفترقان افتراقًا بعيدًا؛ لأن أحدهما اختار أن يجعل نفسه جنديًا للخير، والآخر سخّر نفسه في مقاومته.
وقد يمشي اثنان في أرض واحدة، لكن أحدهما يحمل زادًا ينفع، والآخر يحمل حطبًا يؤذي.
شتان بين المسارين…
وشتان بين الأثرين…
وشتان بين النهايتين.
فلا تسأل فقط عن وعورة الطريق، بل اسأل عن نهايته.
ولا تنظر فقط إلى ما تحمله، بل اسأل: لمن أحمله؟
ولا تنشغل فقط بمن يسير حولك، بل اسأل نفسك: أين أقف أنا من الحق؟
اختر طريقك، وحدد موقفك، وانظر ماذا تحمل معك؛ فإن العمر رحلة قصيرة، ولكن المآل أبدي.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نحمله معنا كل يوم:
ماذا أحمل اليوم في طريقي إلى الله؟

Related Articles

Back to top button