فقه الميزان في القرآن الكريم

فرج كندي
باحث في الفكر والدراسات الإسلامية
حين نتأمل القرآن الكريم نجد أن مفهوم الميزان ليس مفهومًا جزئيًا يقتصر على الحديث عن الوزن والكيل في المعاملات التجارية، وإنما هو مفهوم قرآني واسع، يمثل أحد القوانين الكبرى التي تنتظم بها حياة الإنسان، وتستقيم بها علاقته بربه، وبنفسه، وبالآخرين، وبالكون من حوله. فالميزان في الرؤية القرآنية هو عنوان العدل، والتوازن، والاستقامة، وعدم الطغيان، وهو في الوقت نفسه معيار لقياس السلوك والأفكار والمواقف والعلاقات.
ومن هنا يمكن الحديث عن «فقه الميزان» باعتباره فقهًا قرآنيًا يقوم على إدراك سنن التوازن التي أقام الله عليها الخلق والحياة، وعلى منع الإنسان من أن يتحول في ممارساته إلى عنصر إفساد واختلال واضطراب.
وقد جاء التعبير القرآني بصورة بالغة الدلالة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ﴾ [الرحمن: 7-9]. فالآيات لا تفصل بين رفع السماء ووضع الميزان، وكأن الميزان جزء من النظام الذي أقام الله عليه الكون؛ ثم تنتقل مباشرة من النظام الكوني إلى مسؤولية الإنسان الأخلاقية والاجتماعية: ألا يطغى، وأن يقيم الوزن بالقسط، وألا يخسر الميزان.
وهنا تظهر واحدة من أهم القواعد التي يمكن أن نستنبطها من القرآن: أن فساد الإنسان يبدأ حين يختل الميزان الذي يحكم سلوكه.
فالإنسان لا يعيش في فراغ، وإنما يعيش داخل شبكة واسعة من العلاقات والحقوق والواجبات. وإذا اختل ميزانه الداخلي اختل ميزانه مع الناس، وإذا اختل ميزانه مع الناس انعكس ذلك على المجتمع، وإذا تحولت الاختلالات الفردية إلى ظاهرة عامة أصبح الفساد بنية اجتماعية وثقافية يصعب علاجها.
ولهذا فإن الميزان القرآني يبدأ من الإنسان نفسه. فالقرآن يريد إنسانًا قادرًا على ضبط شهوته وغضبه ومصالحه، فلا يجعل الهوى حاكمًا على العقل، ولا المصلحة الخاصة معيارًا وحيدًا للحكم على الأشياء. يقول تعالى: ﴿فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 37-41].
فالهوى في المنظور القرآني ليس مجرد رغبة عابرة، وإنما قد يتحول إلى قوة تُفسد ميزان الإنسان حين تجعله يرى الحق من خلال مصلحته، والباطل من خلال قدرته على تحقيق رغباته.
ومن هنا يرتبط فقه الميزان بفقه العدل. فالعدل هو التعبير العملي عن الميزان في المجال الإنساني. ولذلك لم يجعل القرآن العدل موقفًا تجاه الموافقين لنا فقط، وإنما جعله قيمة تتجاوز الانتماءات والمواقف والمصالح. يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8].
وهذه الآية تؤسس لميزان أخلاقي بالغ العمق؛ إذ تمنع الإنسان من أن يسمح للكراهية أن تفسد حكمه. فالخصومة لا تبرر الظلم، والاختلاف لا يبرر البهتان، والانتماء لا يمنح صاحبه حصانة من النقد، كما أن حب الجماعة لا ينبغي أن يتحول إلى تعطيل للعدل.
ولذلك فإن من أخطر صور اختلال الميزان في المجتمعات أن يصبح الإنسان دقيقًا في رؤية أخطاء خصومه، متسامحًا مع أخطاء جماعته. هنا يتحول الميزان من أداة للعدل إلى أداة للهوى، ويصبح الحكم على الأشياء تابعًا لمن يفعلها لا لما هي عليه في ذاتها.
ويتجاوز الميزان القرآني المجال الأخلاقي إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي. فالقرآن شدد بصورة واضحة على قضية الكيل والميزان؛ لأن الظلم الاقتصادي ليس أمرًا هامشيًا، وإنما هو اعتداء على الثقة الاجتماعية وعلى حقوق الناس. يقول تعالى: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ﴾ [المطففين: 1-3].
والتطفيف هنا يمكن أن يُقرأ باعتباره صورة مركزة من صور اختلال الميزان: أن يطلب الإنسان حقه كاملًا، ولكنه لا يؤدي حق الآخرين كاملًا. وهذه القاعدة لا تنطبق على التجارة وحدها؛ فهناك تطفيف في العمل، وتطفيف في المسؤولية، وتطفيف في الحقوق، وتطفيف في العلاقات، بل ربما يكون أخطر أنواع التطفيف هو أن يطالب الإنسان المجتمع بالواجبات التي عليه، بينما يتنصل هو من الواجبات التي عليه.
ومن هنا يمكن القول إن التطفيف ثقافة قبل أن يكون مخالفة تجارية، وإن إصلاح الميزان الاقتصادي لا يمكن أن يتم بمعزل عن إصلاح الميزان الأخلاقي.
ويمتد فقه الميزان كذلك إلى مجال الحكم والسياسة. فالسلطة في التصور الإسلامي ليست امتيازًا شخصيًا، وإنما أمانة ومسؤولية. وكلما غابت العدالة عن السلطة اختل ميزان المجتمع، لأن الظلم حين يصدر من الفرد يضر فردًا أو مجموعة، أما حين يصبح الظلم سياسة عامة فإنه يعيد تشكيل المجتمع كله على أساس الاختلال.
ولهذا قرن القرآن أداء الأمانات بالحكم بالعدل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58]. فالأمانة والعدل وجهان لميزان واحد؛ إذ لا يمكن أن يستقيم الحكم إذا وضعت الأمانة في غير أهلها، ولا يمكن أن تستقيم الإدارة إذا تحولت الوظيفة العامة إلى وسيلة للمحسوبية والفساد والاستئثار.
والميزان كذلك حاضر في العلاقة بين الإنسان والكون. فالقرآن لا يقدم الطبيعة باعتبارها مادة مباحة للاستهلاك بلا حدود، وإنما يقرر أن الكون قائم على تقدير وتوازن، ويحذر الإنسان من الإفساد فيه: ﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾ [الأعراف: 56]. ومن هنا فإن استنزاف الموارد، وإهدار الثروات، وتلويث البيئة، وإفساد العمران، كلها صور حديثة يمكن أن تدخل في معنى الإخلال بالميزان.
إن فقه الميزان، بهذا المعنى، يقدم لنا نظرية قرآنية متكاملة في العمران؛ فالإنسان لا يستطيع أن يبني مجتمعًا صالحًا بمجرد زيادة الثروة، ولا بمجرد تطوير المؤسسات، ولا بمجرد سن القوانين، إذا كان الإنسان نفسه قد فقد القدرة على التوازن والعدل وضبط الشهوة والمصلحة.
ولعل أخطر ما نحتاج إليه في واقعنا المعاصر هو أن نعيد اكتشاف هذا الميزان القرآني في مواجهة ثقافة التطرف في كل شيء: تطرف في الاستهلاك، وتطرف في الخصومة، وتطرف في السياسة، وتطرف في الأحكام، وتطرف في تقدير الأشخاص والجماعات. فالقرآن لا يبني الإنسان على الإفراط والتفريط، وإنما على القسط والاستقامة والاعتدال.
ومن هنا فإن «فقه الميزان» ليس درسًا في الوزن والكيل فحسب، بل هو منهج حياة. أن تعرف متى تقدم ومتى تتوقف، ومتى تشدد ومتى تلين، ومتى تحاسب ومتى تعفو، وأن تضع كل شيء في موضعه، وأن تمنح كل ذي حق حقه، وأن تجعل الحق هو معيار الحكم لا الهوى والانتماء والمصلحة.
فالنهضة التي لا تستقيم فيها موازين الإنسان ستظل نهضة ناقصة، والدولة التي تختل فيها موازين العدل ستظل مهددة بالفساد، والاقتصاد الذي يقوم على التطفيف والاستغلال لا يمكن أن يصنع عمرانًا مستدامًا، والمجتمع الذي يفقد ميزانه الأخلاقي قد يمتلك كثيرًا من أدوات القوة لكنه يفقد القدرة على توجيهها توجيهًا رشيدًا.
إن القرآن يريد أن يعيد الإنسان إلى الميزان؛ ميزان التوحيد في العقيدة، وميزان العدل في الحكم، وميزان الأمانة في المسؤولية، وميزان القسط في الاقتصاد، وميزان الاعتدال في السلوك، وميزان الإصلاح في العمران. وحين تستقيم هذه الموازين يستقيم الإنسان، وإذا استقام الإنسان أمكن أن يستقيم المجتمع، وإذا استقام المجتمع أصبح العمران ثمرة طبيعية للإنسان المستقيم.
وهنا تكمن دلالة قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾؛ فالميزان ليس مجرد أداة في يد الإنسان، وإنما هو قانون من قوانين الله في الخلق والحياة. ومهمة الإنسان الحضارية ليست أن يخترع ميزانًا من عنده، وإنما أن يكتشف الميزان الذي وضعه الله، ثم يقيم حياته عليه، حتى لا يطغى، ولا يطفف، ولا يخسر الميزان.




