صون حقوق الناس وكف الأذى عنهم.. عبادة عظيمة وميزان دقيق يوم القيامة

أ. مصباح بوكرش الورفلي
من المقاصد العظيمة التي جاءت الشريعة الإسلامية لترسيخها وحمايتها مقصد الأمن المجتمعي، ذلك الأمن الذي لا يقوم على القوانين والعقوبات وحدها، بل يقوم قبل ذلك على تهذيب النفوس، وصيانة الحقوق، وكف الأذى عن الناس. ولهذا حفلت نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة بتأكيد حرمة الاعتداء على الآخرين، في أموالهم وأعراضهم ودمائهم ومشاعرهم وكرامتهم، وجعلت ذلك من أعظم الواجبات التي يتقرب بها العبد إلى ربه.
والمتأمل في نصوص الوحي يدرك أن الإسلام لم يجعل العبادة مقتصرة على الصلاة والصيام والذكر، بل ربط قبول هذه الأعمال وسلامتها بأداء حقوق العباد وصيانة المجتمع من الأذى والظلم. ولذلك كان حفظ الحقوق أحد الأسس الكبرى التي يقوم عليها العمران البشري والتعايش السلمي بين الناس.
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90]، وقال سبحانه: ﴿وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]، وقال عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].
ومن حكمة الله تعالى أن جعل حقوق العباد من أعظم الحقوق وأشدها خطرا، لأنها متعلقة بمصالح الناس وآلامهم ومظالمهم، ولذلك فإن الله تعالى قد يغفر ما كان بين العبد وربه إن شاء، أما حقوق العباد فلا تسقط إلا بالأداء أو المسامحة. ولهذا جاء التشديد العظيم في النصوص الشرعية على رد المظالم والتحلل من الحقوق قبل يوم القيامة.
ومن أبلغ ما ورد في ذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما المفلس؟» قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال ﷺ: «إن المفلس من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شتم هذا، وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته، فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح في النار». رواه مسلم.
إن هذا الحديث العظيم يكشف حقيقة قد يغفل عنها كثير من الناس، وهي أن كثرة العبادات لا تكفي وحدها للنجاة إذا صاحبها ظلم للعباد وأذى لهم. فقد يجتهد الإنسان في الصلاة والصيام والصدقات، لكنه يطلق لسانه في أعراض الناس، أو يعتدي على حقوقهم، أو يظلمهم في أموالهم ومعاملاتهم، فيجد يوم القيامة أن حسناته التي تعب في جمعها تذهب إلى خصومه واحدا بعد آخر.
ولهذا كان النبي ﷺ يؤكد دائما سلامة المسلم من أذى أخيه، فقال: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» متفق عليه. فجعل كف الأذى معيارًا من معايير كمال الإسلام، لأن اللسان واليد هما أكثر ما تقع به الاعتداءات بين الناس.
كما قال ﷺ: «لا ضرر ولا ضرار»، وهي قاعدة عظيمة من قواعد الشريعة تدل على أن الأصل في علاقة المسلم بغيره أن تكون قائمة على النفع والإحسان، لا على الإيذاء والإفساد.



