عاممقالاتمقالات تربوية

الدعاء عند الأزمات إلى دوام الأنس والثبات

د/بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

المحاور الأساسية
مقدمة
أولا: الإيمان الموسمي من خلال تجربة شخصية.
ثانيا: التأصيل القرآني لإشكالية الإيمان الموسمي.
ثالثا: التأصيل النبوي لإشكالية الإيمان الموسمي.
رابعا: تحليل إشكالية الإيمان الموسمي في ضوء علم النفس الإسلامي.
خامسا: الإجابة عن السؤال الذي تطرحه إشكالية الإيمان الموسمي:
سادسا: كيف يتحول القلب من استدعاء الله بصفته منقذا طارئا، إلى عيش معيته الدائمة؟
الخاتمة
***

مقدمة
إن علاقة العبد بربه، هي محور وجوده، وغاية خلقه، ومدار سعادته في الدنيا والآخرة.
قال تعالى في سورة الذاريات:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾.[الذاريات:56]، والعبادة في أعمق معانيها؛ ليست مجرد أفعال يؤديها الجسد، بل هي حضور يشغله القلب، وذكر لا ينقطع، وقرب لا يشوبه غياب. غير أن واقع كثير من الناس، يشهد لظاهرة تستحق التوقف والتأمل، وهي علاقة العبد مع الله، والتي تتسم بـ”الموسمية”، و”الطارئية”. إذ يذكر العبد ربه عند الشدة فقط، وينساه عند الرخاء. يستدعي العبد ربه بصفته منقذا طارئا فقط، ثم يطوي سجّادته بعد انقضاء الأزمة، كمن يُغلق ملفاً بعد صدور الحكم لصالحه. يدعوه في الضراء فيُخلص، فإذا ناله الفرج، عاد إلى غفلته، كأن لم يدعُ إلى ضُرّ مسه. هذه الظاهرة، التي يمكن تسميتها بـ”علاقة الطوارئ”، أو “الإيمان الموسمي”، هي محور هذا الموضوع التربوي.
أولا: الإيمان الموسمي من خلال تجربة شخصية:
يقول صاحب التجربة الشخصية في علاقته مع الله: (كانت علاقتي بالله تشبه علاقتي بمحامٍ لا أتصل به إلا حين تقع المصيبة، كنت أخرج من الأزمة، فأطوي سجّادتي وأعود إلى حياتي، كمن يُغلق ملفاً بعد أن صدر الحكم لصالحه. لم أكن جاحدا، لكنني كنت “موسميا”.. ، أجعل الله تعالى هو “المُنقذ الطارئ”، وأنسى أنه سبحانه وتعالى هو “الرفيق الدائم”. وحين اشتدت الكُرَب، وأحسستُ أن السماء ما عادت تردّ على مكالماتي.. قلبتُ كل شيء: زدتُ الأوراد، وطوّلتُ السجدات، وعددتُ المرات.. وكأن الله سبحانه وتعالى يُحاسبني على “الساعات”، لا على “الحضور”. وبينما أنا على هذا، وقع بصري على قوله تعالى من سورة فاطر: ﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ، إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ [فاطر: 28]، فوقفتُ طويلاً.. الخشية ليست في كثرة ما تقول، بل في عمق ما تعلم. والعلم الحقيقي بالله، لا يُورِث الطلب.. بل يُورِث الحياء. بدأتُ أفهم شيئاً لم يُعلّمني إياه أحد بالكلام: أن ثمة فرقاً جوهرياً بين من يذكر الله ليصل إلى شيء، ومن يذكره لأنه بلغ شيئاً.
الأول: الذي يذكر الله ليصل إلى شيء، يحمل سبحته كمن يحمل فاتورة.
والثاني: الذي يذكر الله لأنه بلغ شيئاً. يحمل سبحته كمن يحمل خطاباً من حبيب يعود إليه مراراً. تذكّرتُ إبراهيم عليه السلام، حين ألقي في النار، فعُرض عليه النجاة بكلمة، فأجاب بكلمة أخرى والتي هي: “حسبي الله ونعم الوكيل”..، لم يقلها ليُطفئ النار، بل قالها لأن قلبه كان أكثر اتساعاً من أي نار. وهنا فهمتُ؛ لماذا بُرِّدت النارُ؛ وأصبحت سلاماً؟ لأن إبراهيم عليه السلام، لم يطلب من الله أن يُغيّر الظرف.. بل ظرفُه كلُّه كان الله. وفي ليلةٍ من تلك الليالي الثقيلة التي لا تُشبهها أخرى، جلستُ أمام ربّي جلسةً لا أتذكر لها مثيلاً.. لم أُعدِّدِ الحوائج. لم أُقدِّم الأعمال. لم أُفاوض، ولم أُساوم. فتحتُ يديَّ كما يفتح المُعدَم يديه، وقلتُ فقط: “أنا هنا. وأنتَ تعلم.” وفي تلك اللحظة التي لا تُوصف، هبط شيءٌ على قلبي لم يأتِ من خارجي.. جاء من داخل داخلي، كأنه كان مُقيماً فيّ منذ الأزل، وأنا لم أفتح له الباب. قال تعالى في سورة الحديد: ﴿ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾، [الحديد: 4]، نعم.. كان الله معي طوال الوقت. أنا مَن كنتُ غائبا. منذ تلك الليلة، لا أقيس علاقتي بالله بما تغيّر في حياتي.. بل أقيسها بما تغيّر في قلبي… ذاك القلب الذي كان يضيق بالانتظار، صار يرى في الانتظار ذاته نعمة. ذاك الذي كان يشكو الصمت، صار يسمع في الصمت كلاماً لا يُترجَم. وأدركتُ أن أعظم دليل على قُرب الله منك؛ ليس أن تنال ما طلبتَ.. بل أن تطيب نفسُك قبل أن تناله).
هذه التجربة الشخصية – رغم خصوصيتها – فإنها تعكس حالاً يعيشه كثير من المسلمين اليوم، في زمن كثرت فيه الشواغل، وضعفت فيه التربية على “الحضور القلبي”، وغلبت فيه النزعة الاستهلاكية حتى طالت العلاقة مع الخالق سبحانه.
ولذلك يأتي هذا الموضوع التربوي، ليؤصل لهذه الظاهرة تأصيلاً شرعياً من الكتاب والسنة، وليحللها تحليلاً نفسياً في ضوء التصور الإسلامي، وليقترح مسارات عملية للتحول من “علاقة الطوارئ”، إلى “علاقة الحضور”.
ثانيا: التأصيل القرآني لإشكالية الإيمان الموسمي:
وردت إشارات “علاقة الطوارئ”، أو “الإيمان الموسمي في القرآن الكريم، في أكثر من موضع منها:
1 – قال الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿ فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ [العنكبوت:65].
يقول الطبري رحمه الله، في تفسيره جامع البيان: (فإذا ركب هؤلاء المشركون السفينة في البحر، فخافوا الغرق والهلاك فيه،…أخلصوا لله – عند الشدّة التي نزلت بهم – التوحيد، وأفردوا له الطاعة، وأذعنوا له بالعبودية، ولم يستغيثوا بآلهتهم وأندادهم، ولكن بالله وحده الذي خلقهم… فلما خلّصهم مما كانوا فيه وسلَّمهم، فصاروا إلى البرّ، إذا هم يجعلون مع الله شريكا في عبادتهم، ويدعون الآلهة والأوثان معه أربابا).[تفسير الطبري، (المتوفى:310هـ)، جامع البيان في تأويل القرآن، (20/60)]. وهذا عين الإشكالية:
*الإخلاص في الشدة.
*والرجوع إلى الغفلة في السعة.
2 – قال تعالى في سورة الروم: ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [الروم:33]، وفي فقه هذه الآية: ذَكَر سبحانه: ﴿مُنِيبِينَ﴾، أي راجعين خاشعين، ثم ذكر ﴿فَرِيقٌ﴾، أي ليس كلهم؛ بل بعضهم، وهذا يشير إلى أن هذه الظاهرة، أصابت طائفة من المؤمنين؛ وليس فقط المشركين.
ثالثا: التأصيل النبوي لإشكالية الإيمان الموسمي:
1 – روى البخاري، ومسلم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: ( يَنْزِلُ رَبُّنَا عَزَّ وَجَلَّ كُلَّ لَيْلَةٍ إِلَى سَمَاءِ الدُّنْيَا؛ حِينَ يَبْقَى ثُلُثُ اللَّيْلِ الآخِر فَيَقُولُ: مَنْ يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبَ لَهُ؟ وَمَنْ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيَهُ؟ وَمَنْ يَسْتَغْفِرُنِي فَأَغْفِرَ لَهُ). [رَوَاهُ الْبُخَارِي 1145، وَمُسْلِمٌ 758]. فهذا الحديث؛ يدل على أن الله تعالى يعرض على عباده الدعاء كل ليلة، لكن المشكلة؛ أن الإنسان لا يسأل الله إلا في الشدة، فيصبح كمن لا يعرف ربه إلا وقت الحاجة.
2 – روى مسلم، عن أَنَسٍ بْنِ مَالِكٍ، رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (للهُ أَشَدُّ فَرَحاً بِتَوبَةِ عَبْدِهِ حِينَ يتوبُ إِلَيْهِ مِنْ أَحَدِكُمْ كَانَ عَلَى رَاحِلَتهِ بأرضٍ فَلاةٍ، فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ، وَعَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابهُ، فأَيِسَ مِنْهَا، فَأَتى شَجَرَةً فاضطَجَعَ في ظِلِّهَا وقد أيِسَ مِنْ رَاحلَتهِ، فَبَينَما هُوَ كَذَلِكَ؛ إِذْ هُوَ بِها قائِمَةً عِندَهُ، فَأَخَذَ بِخِطامِهَا، ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ: اللَّهُمَّ أنْتَ عَبدِي وأنا رَبُّكَ ! أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الفَرَحِ) [أخرجه مسلم (4/2104، رقم 2747)]. فالعبد يفرط في شدة فرحه بالنجاة، فينسى مكانته العبودية، وهذا شبيه بـ”طيّ السجادة” بعد انقضاء الأزمة.
رابعا: تحليل إشكالية الإيمان الموسمي في ضوء علم النفس الإسلامي
نموذج “العلاقة الآلية”: يرى العبد في هذه الحالة، أن الله عز وجل خالقه، هو وسيلة لحل المشكلات، لا غاية للوجود. وهذا ينتج عنه:
1 – التوجه المشروط: (لا أدعو إلا إذا احتجت).
2 – التبديل السريع: (بعد النجاة أعود إلى غفلتي).
3 – الفراغ الوجداني: (القلب لا يُعمّر بالله في حال الرخاء).
خامسا: الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها إشكالية الإيمان الموسمي:
أ – الأسئلة الجوهرية التي تطرح نفسها:
1 – هل هذه العلاقة الموسمية عند بعض الناس، هي القدَر المحتوم؟ أم أن هناك طريقاً للتحول منها إلى علاقة أعمق وأدوم، وهي “علاقة الحضور الدائم”؟
2 – وما هي الآليات الشرعية والنفسية التي تؤدي إلى هذا التحول؟
3 – وما هي الثمار التي يجنيها القلب حين ينتقل من “خشية الطلب”، إلى “خشية الحياء”، ومن “ذكر الله ليصل إلى شيء”، إلى “ذكره لأنه بلغ شيئاً”؟
4 – وكيف يتحول العبد من حالة “الاستدعاء الطارئ” لله، إلى حالة “العيش في معيته الدائمة”، بحيث يصبح حضوره مع الله هو الأصل، وليس الاستثناء؟
ب – الأجوبة عن الأسئلة الجوهرية
1 – ليس هذا الحال قدَراً محتوماً، بل هو بداية طريق؛ فالعلاقة الموسمية مع الله مرحلة يمرّ بها كثير من الناس، لكنها لا ينبغي أن تكون نهاية المسير، بل يمكن الارتقاء منها إلى “علاقة الحضور الدائم” بإرادة صادقة وتربية متدرجة.
2 – كيف يتمّ التحول؟
*شرعياً: ينتقل العبد من الطوارئ إلى الدوام عبر تثبيت الأصول: الفرائض أولاً، ثم النوافل، مع دوام الذكر وصدق التوبة. فـ“الاستمرار” هو السر، لا “الكثرة المنقطعة”.
*نفسياً: يتحول الدافع من الخوف فقط؛ إلى المحبة والأنس؛ فيعتاد القلب على الذكر حتى يصير بيئةً له، لا عِبْئاً عليه. ومع التَّكرار يتبدل الشعور: من تكلفٍ إلى تذوق.
*تربوياً عملياً: ربط العبادات بالحياة اليومية (ذكر، ونية، ومراقبة)، وصناعة “صحبة صالحة”، تعين على الثبات، وتقليل الفجوة بين أوقات الطاعة وأوقات الغفلة.
3 – الثمار التي يجنيها القلب، أنه يتحول من خشية الطلب، (أخاف لأُعطى)، إلى خشية الحياء، (أستحيي أن أعصي وأنا في حضرته). ومن ذكر الوسيلة، (أذكر لأصل) إلى ذكر الغاية، (أذكر لأني وصلت إلى الأنس به). ومن القلق والاضطراب، إلى سكون القلب وثباته. ومن التذبذب إلى الاستقامة.
4 – يصير الحضور هو الأصل، حين يصبح الله جل جلاله حاضراً في: النية قبل العمل، والشعور أثناءه، والمحاسبة بعده. فلا يعود العبد “يستدعي” الله عند الحاجة، بل يعيش معه في كل حال؛ يراه في النعمة شكراً، وفي البلاء صبراً، وفي كل لحظة قرباً.
الخلاصة:
الانتقال ليس قفزة، بل تراكم صدقٍ مع دوام عمل؛ ومن داوم، وصل… ومن وصل، استحيا… ومن استحيا، حضر قلبه أبداً.
سادسا: كيف يتحول القلب من استدعاء الله بصفته منقذا طارئا، إلى عيش معيته الدائمة؟
1 – حديث جامع للتحول من استدعاء الله بصفته منقذا طارئا، إلى عيش معيته الدائمة:
أ – روى البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ: (يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ بِشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا، وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ إِلَيْهِ بَاعًا، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً). [رواه
البخاري 7405، ومسلم 2675].
ب – وجه الدلالة: ( أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي): أي بحسب ظن العبد بالله يكون تعامل الله معه. فإن ظن أن الله منقذ طارئ فقط، عامله سبحانه على ذلك. وإن ظن أن الله معه دائماً، وجد ذلك. ( وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي): المعية هنا مشروطة بالذكر، لكن الذكر
المطلوب، ليس الذكر اللساني فقط، بل ذكر القلب بالحضور.
2 – العلاقة بين المعية والتحول المطلوب:
أ – الذي يعيش “علاقة الطوارئ”: يظن أن الله ليس معه إلا عندما يدعوه، لكنه لا يشعر به إلا عند الشدة.
ب – الذي يصل إلى “علاقة الحضور”: يعلم أن الله معه دائماً بعلمه ورعايته، فيشعر بالقرب في السعة، كما يشعر به في الشدة.
3 – العابد لله على حرف:
أ – الدليل من القرآن: قال تعالى في سورة الحج: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ، فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾.[الحج:11]، على حرف، أي على شك وتردد، روى البخاري، عن ابن عباس رضي الله عنهما (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ” قال: كان الرجل يَقدم المدينة، فإن ولدت امرأته غلاما، ونُتِجَت خيلُه، قال: هذا دين صالح. وإن لم تلد امرأته، ولم تُنتَج خيله قال: هذا دين سوء) [صحيح البخاري برقم (4742).]، وقال القرطبي في تفسيره: (ومعنى” على حرف” على شك، قاله مجاهد وغيره. وحقيقته أنه على ضعف في عبادته، كضعف القائم على حرف مضطرب فيه. وحرف كل شيء طرفه وشفيره وحدُّه، ومنه حرف الجبل، وهو أعلاه المحدد. وقيل:” على حرف” أي على وجه واحد، وهو أن يعبده على السراء دون الضراء، ولو عبدوا الله على الشكر في السراء والصبر على الضراء لما عبدوا الله على حرف. وقيل:” على حرف” على شرط) [الجامع لأحكام القرآن للقرطبي(12/17)].
ب – العبرة من الآية: “العابد على حرف”، هو نفسه صاحب “العلاقة الموسمية”، الذي يطوي سجّادته بعد انقضاء الأزمة.
الخاتمة
ليست المشكلة أن نتوجه إلى الله عند الشدائد، فذلك من فطرة الإيمان، ولكن الخلل أن نعرفه في الطوارئ، ونغفل عنه في السَّعة، وأن نلجأ إليه عند الانكسار، ثم نهجر بابه عند الاستقرار. إن العلاقة الحقيقية مع الله، ليست علاقة ظرف عابر، بل هي مقام حضور دائم؛ حضور القلب قبل الجوارح، وصدق الالتجاء، قبل مجرد الطلب.
فمن ارتقى من علاقة الطوارئ إلى علاقة الحضور، لم يعد يرى الله ملجأً عند الأزمات فقط، بل صار أنسه في كل حين، وطمأنينته في كل حال؛ يذكره في الرخاء، كما يذكره في الشدة، ويعبده حبًّا وقربًا، كما يدعوه خوفًا وطمعًا.
فاجعلوا قلوبكم عامرة بالله، لا تنتظروا البلاء لتتذكروه، ولا تؤجلوا القرب حتى تضيق بكم السبل، فإن من عرف الله في الرخاء، عرفه الله في الشدة، ومن لازم بابه في كل حال، فُتح له باب القرب والسكينة في كل مآل.
اللهم اجعلنا من أهل الحضور مع الله، ولا تجعلنا ممن لا يعرفونه إلا عند الضرورة، وارزقنا دوام القرب، وحلاوة الأنس، وصدق التوكل عليه في السر والعلن. وصلى الله وسلم وبارك على سدينا محمد، كلما ذكره الذاكرون، وغفل عن ذكره الغافلون إلى يوم الدين. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات

Related Articles

Back to top button