حسن الهيأة طريق إلى مرضاة الله قراءة في فقه التجمل

بن سالم باهشام عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.
المحاور الأساسية
مقدمة:
1 – المقصود بحسن المظهر
2 – المعنى التربوي لحسن الهيأة
3 – حسن المظهر يعزّز الثقة بالنفس
4 – حسن المظهر مفتاح القبول بين الناس
5 – حسن المظهر دليل على الانضباط الداخلي.
6 – حسن المظهر يدعو إلى تهذيب السلوك
الخاتمة
مقدمة:
من محاسن هذا الدين الإسلامي الحنيف، جمعه بين طهارة الباطن؛ وجمال الظاهر. والأصل في ذلك قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿ يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وهذا أمرٌ صريح بالتجمّل عند الصلاة، وخاصة عند قصد بيوت الله والتي هي المساجد. وفي سنة النبي ﷺ ما يؤكد ذلك، فقد كان ﷺ يتجمّل للجمعة، ويحث على الطيب والنظافة، روى مالك في الموطأ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، أَنَّهُ بَلَغَهُ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اتَّخَذَ ثَوْبَيْنِ لِجُمُعَتِهِ سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ) [موطأ مالك (2/ 153) [(2/153) (ح 366)]، وكان من هديه ﷺ: لبس أحسن الثياب، واستعمال الطيب، والسواك، وغسل الجمعة، بل إن يوم الجمعة هو عيد الأسبوع، فيُستحب فيه مزيد عناية بالمظهر؛ تعظيمًا للشعيرة، واحترامًا لمقام الوقوف بين يدي الله تعالى.
1 – المقصود بحسن المظهر
ليس المقصود بحسن المظهر، التكبر أو التفاخر أو الإسراف، فذلك مذموم، ولكن المقصود: النظافة، والترتيب، والوقار، والاعتدال. روى أبو يعلى، وابن الأعرابي في معجمه، وأبو نعيم في الطب النبوي، باختلاف يسير. وفي حلية الأولياء، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه، ( أنَّ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم رأى رجلًا وسِخةً ثيابُه، فقال: أما وجد هذا شيئًا يُنقِّي به ثيابَه ؟ ورأَى رجلًا شعْثَ الرَّأسِ، فقال: أما وجد هذا شيئًا يُسكِّنُ به رأسَه) [أخرجه أبو يعلى (2026)، وابن الأعرابي في معجمه (521)، وأبو نعيم في الطب النبوي (214) باختلاف يسير. وأبو نعيم في حلية الأولياء (3/182)]
وروى نور الدين الهيثمي، في بغية الباحث، عن زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ أَبِي عَلْقَمَةَ قَالَ: ( رَأَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلاً سَيِّئَ الْهَيْئَةِ فَقَالَ: أَلَكَ مَالٌ؟ قَالَ: نَعَمْ؛ مِنْ كُلِّ أَنْوَاعِ الْمَالِ، قَالَ: فَلْيُرَ أَثَرُهُ عَلَيْكَ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يُرَى أَثَرُ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَيَكْرَهُ الْبُؤْسَ وَالتَّبَاؤُسَ) [بغية الباحث عن زوائد مسند الحارث بن أبي أسامة [186 – 282]، المؤلف : نور الدين الهيثمي [807]، (2/606) المحقق : د. حسين أحمد صالح الباكري، الناشر: مركز خدمة السنة والسيرة النبوية – المدينة المنورة الطبعة: الأولى ، 1413 – 1992].
رَوَى اَلْبَيْهَقِيُّ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رَضِيَ اَللَّهُ عَنْهُمَا؛ أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ – صلى الله عليه وسلم – قَالَ: – (إِنَّ اَللَّهَ يُحِبُّ إِذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ) [رواه البيهقي (3/271)، وهو وإن كان ضعيف السند، إلا أن له شواهد أخرى يصح بها].
فديننا وسط: لا إهمال ولا إسراف، لا تبذير ولا تقتير.
2 – المعنى التربوي لحسن الهيأة:
لا يريد الإسلام من المسلم أن يكون مهملاً في هيئته، بل ينبغي أن يكون:
أ – نظيفَ البدن.
ب – حسَنَ اللباس.
ج – طيبَ الرائحة.
د – جميلَ الهيئة.
لكن دون تكلف أو إسراف أو كِبْر. وربنا جل جلاله، يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، فإذا وقفت بين يديه، فكن في أحسن هيئة، وكأنك تتجه إلى أعظم لقاء… وإنك بالفعل كذلك.
إن حسنَ المظهر، هو طريقُ الوقار، وبوابة القبول، فجمِّل ظاهرك، تُنِر باطنك، واهتدِ بهدي نبيك صلى الله عليه وسلم.
إن الإسلام دينُ جمالٍ وكمال، دينُ نظافةٍ وأناقة، لا يعرف الفوضى ولا القبح، بل يدعو إلى التوازن بين الظاهر والباطن.
ومن القضايا التي يغفل عنها كثير من الناس، أثر حسن المظهر في بناء شخصية الإنسان، حتى صار بعضهم يظن أن العناية بالمظهر، أمر ثانوي، أو مظهر من مظاهر الترف، وهذا فهمٌ قاصر. إذ ليس من العبث، أن يأمر سبحانه وتعالى في سورة الأعراف عباده وضيوفه – عمار المساجد -، بالزينة عند أعظم المواطن: عند الوقوف بين يدي الله تعالى. روى مسلم، والترمذي، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: ( إنَّ اللهَ جميلٌ يحبّ الجمال، الْكِبْرُ بَطَرُ الحقّ وَغَمْطُ الناس) [أخرجه مسلم (1/93، رقم 91)، والترمذي (4/361، رقم 1999)، وقال: حسن صحيح غريب. وأخرجه أيضًا: أبو عوانة (1/39، رقم 85)، وابن حبان (12/280، رقم 5466)]. ومن غريب الحديث: “الكِبْرُ بَطرُ الحَقّ” : هو أَن يجعل ما جعله الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلا . و“غمط الناس” : احْتِقارُهم والازْدراءُ بهم .
إن حسن المظهر عبادةٌ إذا صلَحت النية، وهو عنوانُ شخصية الإنسان، ورسالةٌ صامتةٌ تعكس ما في داخله.
3 – حسن المظهر يعزّز الثقة بالنفس
من اعتنى بهيئته ونظافته ولباسه، شعر براحةٍ في نفسه، وانشرح صدره، ووقف بين الناس بثباتٍ وطمأنينة، لا خجلًا ولا اضطرابًا.
4 – حسن المظهر مفتاح القبول بين الناس:
فالناس تنجذب إلى صاحب الهيئة الحسنة، وتأنس به، وتُقبل عليه، وهذا مهم في الدعوة والتعليم وسائر المعاملات. وكم من كلمةٍ صادقةٍ ضاعت بسبب مظهرٍ منفّر!
5 – حسن المظهر دليل على الانضباط الداخلي.
من رتّب ظاهره، كان أقدر على ترتيب باطنه، ومن أهمل هيئته، انعكس ذلك غالبًا على فوضى في حياته وسلوكه.
6 – حسن المظهر يدعو إلى تهذيب السلوك
فصاحب المظهر الحسن، يحرص على أن يكون سلوكه موافقًا لهيئته، فيرتقي في أخلاقه، ويبتعد عن السوء والقبائح.
الخاتمة
حسن المظهر
أ – بوابةٌ إلى بناء شخصية متكاملة؛
ب – يجمّل الصورة، ويقوّي الثقة، ويعزّز التأثير. لكنه يبلغ كماله حين يقترن بجمال الباطن، فـ”القيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يلبس، بل فيما يُلبِسُه الله من أخلاق”.
إن جمال الظاهر؛ لا يكتمل إلا بجمال الباطن، فكم من إنسانٍ حسن الهيئة، قبيح السيرة! وكم من بسيط المظهر، عظيم القدر عند الله. روى أحمد، ومسلم، وابن ماجه، عن أبى هريرة رضي الله عنه، أن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (إنَّ الله لا ينظُر إلى صُورِكم وأموالِكم، ولكنِ إِنّما ينظر إلى قلوبكُم وأعمالكُم) [أخرجه أحمد (2/284 رقم 7814)، ومسلم (4/1987 رقم 2564)، وابن ماجه (2/1388، رقم 4143)].
فاحرصوا على الجمع بين :
1 – جمالٍ في المظهر.
2 – وصفاءٍ في القلب.
3 – واستقامةٍ في السلوك.
وربّوا أبناءكم على النظافة والأناقة، وعلّموهم أن حسن المظهر من الدين، لا من التقليد الأعمى، وأن المسلم سفيرٌ لدينه في مظهره قبل كلامه.
إن الأمة الإسلامية اليوم، تحتاج إلى قدواتٍ تجمع بين الهيأة الحسنة، والخلق الحسن، حتى تُقدّم الإسلام في صورته المشرقة.
فاللهم جمّل ظواهرنا بطاعتك، وجمّل بواطننا بخشيتك، وأصلح سرائرنا وعلانيتنا. اللهم اهدنا لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عنا سيئها، لا يصرف عنا سيئها إلا أنت. وصلّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين إلى يوم الدين.




