اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

🌿 حادثة الإفـك ودروسها الواعظات🌿

✍️ بقلم الأستاذ إبراهيم بن ساسي.

المنسق الجهوي لجمعية العلماء المسلمين الجزائري في الجنوب
🟩 توطئة
بسم الله الرحمن الرحيم والصّلاة والسّلام على الهادي الكريم وبعد … جاءت حادثة الإفك عند عودة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وصحابته رضوان الله عليهم من غزْوةُ بني المصطلق في شهر شعبان من العام الخامس للهجرة
وهي امتحان وأي امتحان للأسرة النّبويّة عامّة ولرسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ خاصّة ولزوجه الطّاهرة عائشة رضي الله عنها بصفة أخص ! حادثة مروّعة هزّت المجتمع المدني قرابة شهر مشغلة إيّاه ، فلا حديث في مجالس المدينة سوى قصّة الإفك الفظيعة التي ملأت قلب رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ ألماً وحسرةً وحيرةً كيف لا وقد أصاب السّهم كبده عائشة رضي الله عنها ! تلك الفتاة التّقيّة الصّالحة ، والزّوجة والحبيبة الغاليّة ، وليس أبلغ من روايتها عن نفسها وهي التي مسّها الأذى وبلغ منها مأخذه ألماً وحسرة وأسىً ، وتكاد كتب السّيرة تُجمع على روايتها ، وهي الصّادقة بنت الصّديق التي صدّقها الله وأنزل براءتها من فوق سبع طٍباق
🟩 ملخّص القصّة
وقد وردت قصّة الإفك كاملة في الصّحيحين وغيرهما : وملخّصها [ روت رضي الله عنها أنّها خرجت مع رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ في هذه الغزوة قائلةً : فلمّا فرغ رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ من غزوته تلك وقفل ، آذن ليلة بالرحيل ، فقمت إلى بعض شأني ، فلما رجعت إلى الرّحل لمست صدري فإذا عقدي قد انقطع ، فرجعت فالتمسته فحبسني ابتغاؤه ، قالت : وأقبل الرّهط الذين كانوا يرحّلوني فاحتملوا هودجي ، وكان ذلك بعد نزول آية الحجاب ، فرحّلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه ، وهم يحسبون أنّي فيه ، فبعثوا الجمل فساروا ، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ، فيمّمت منزلي الذي كنت به وظننت أنّهم سيفقدونني فيرجعون إليّ ، وتضيف رضيّ الله عنها : وكان صفوان بن المعطل من وراء الجيش فأصبح عند منزلي ، فرأى سواد إنسان فعرفني حين رآني وكان رآني قبل الحجاب ، وكنت قد غلبتني عيناي فنمت فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني فخمّرت وجهي بجلبابي
ــ وتقسم بالله ــ والله ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمةً غير استرجاعه ، وهوى حتى أناخ راحلته فقمت إليها فركبتها ، فانطلق يقود بي الرّاحلة حتّى أتينا الجيش موغرين في نحر الظَّهيرة وهم نزول ، فهلك من هلك في شأني ، وكان الذي تولّى كبر الإفك عبد الله بن أبي بن سلول ، قالت : واشتكيت حين قدمنا المدينة شهراً والناس يفيضون في قول الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك غير أنّي لا أعرف من رسول الله عليه الصّلاةُ والسّلامُ اللّطفَ الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنّما يدخل فيسلّم ثمّ يقول : كيف تيكم ؟ فلمّا نقهت خرجت ذات ليلةٍ مع أم مسطح لقضاء حاجة ، ولم نكن قد اتّخذنا الكنف ، فلما رجعنا عثرت أم مسطح في مرطها فقالت : تعس مسطح ، فقلتُ لها : بئسَ ما قلت ، أتسبّين رجلاً قد شهد بدراً ؟! قالت أولم تسمعي ما قال ؟ قالت عائشة : فأخبرتني بقول أهل الإفك ، فازددت مرضاً إلى مرضي .. وبكيت تلك اللّيلة حتى أصبحت ، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، وأخذ رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ يستشير بعض أصحابه في الأمر وفي فراق أهله ، فمنهم من يقول : يا رسول الله هم أهلك ولا نعلم إلّا خيراً ، ومنهم من يقول : لم يضيّق الله عليك النّساء كثير ، واسأل الجاريّة – يعني بريرة – تصدقك ، فدعا رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ بريرة وسألها : هل رأيت من شيء يريبك من عائشة ؟ فأخبرته أنّها لم تعلم عنها إلّا الخير ، فقام عليه الصّلاةُ والسّلام على المنبر فقال : يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجلٍ قد بلغ أذاه في أهل بيتي ؟ فو الله ما علمت على أهلي إلّا خيراً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمت عليه إلّا خيراً ، فقام سعد بن معاذ فقال : أنا أعذرك منه يا رسول الله ، إن كان من الأوس ضربنا عنقه ، وإن كان من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك ، فتلاغط النّاس في المسجد حتى أسكتهم رسول الله ، ثم دخل عليّ رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ وأبواي عندي وهما يظنّان أنَّ البكاء فالق كبدي ، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل ، وقد لبث شهراً لا يوحى إليه في شأني بشيء ، قالت : فتشهَّد حين جلس ، ثم قال : أمّا بعد يا عائشة … فإنّه قد بلغني عنك كذا وكذا … فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألمَمْتِ بذنبٍ فاستغفري الله وتوبي إليه ، قالت : فلما قضى رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ مقالته قلص دمعي حتى ما أحسّ منه قطرة ، فقلت لأبي : أجب عنّي رسولَ الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ ، فقال : والله لا أدري ما أقول ، فقلت لأمي : أجيبي عنّي رسولَ الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ فقالت : والله ما أدري ما أقول ، فقلت : والله لقد عرفت أنّكم قد سمعتم بهذا حتى استقرَّ في نفوسكم وصدّقتم به ، فإن قلتُ لكم إنّي بريئة – والله يعلم أنّي بريئة – لا تصدِّقوني في ذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله يعلم أني بريئة – لتصدّقنّني ، إنيّ والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلّا كما قال أبو يوسف { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ } قالت السّيدة رضيّ الله عنها وأرضاها : ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي ، قالت : فو الله ما رام َرسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ مجلسه ولا خرج من أهل البيت أحد ، حتّى أَنزَلَ الله عزّ وجلّ على نبيّه صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ : فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي حتى إنّه ليتحدّر منه مثل الجُمان من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه ، قالت : فسريّ عن رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ وهو يضحك ، فكانت أوّل كلمة تكلّم بها أن قال : أبشري يا عائشة ، أمّا الله فقد برّأك ، فقالت أمي : قومي إليه ( أي اشكريه ) فقلت : لا والله ، لا أقوم إليه ولا أحمد إلّا الله ، هو الذي أنزل براءتي ، قالت فأنزل الله عزّ وجلّ : { إِنَّ الَّذِينَ جاءوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كبره منهم له عذاب عظيم … إلى قوله تعالى … ولقد أنْزلنا إليكم آياتٍ مُبيّناتٍ ومَثَلاً من الذين خلَواْ من قبلكم وموعِظةً للمتّقين ) سورة النور الآيات من 23 إلى 34 وأضافت معقّبةً : وكان أبي ينفق على مسطح لقرابته منه ولفقره ، فقال : والله لا أنفق عليه شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ، فأنزل الله عزّ وجلّ : { وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى إلى قوله … أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } آية 22 من سورة النّور ، فقال أبو بكر : بلى والله إنِّي لأحبُّ أن يغفر الله لي فرجع إلى مسطح النّفقة التي كان ينفقها عليه ، ثم خرج صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ إلى الناس فخطبهم ، وتلا عليهم ما أنزل الله تعالى من القرآن في ذلك ، ثم أُمِرَ بمسطح بن أثاثة وحسّان بن ثابت وحمنة بنت جحش ، وكانوا ممن أفصح بالفاحشة فضُربوا حدّهم ] ( 01 ) ويا تعاسة من طمس الله عقولهم يقذفون أمّنا عائشة رضي الله عنها ! وإلى اليوم قاتلهم الله يروّجون لحادثة الإفك بعد أن نزل القرءان بتبرئة الطّاهرة ، منتهكين بذلك حرمة الله ورسوله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ وأم المؤمنين عائشة ووالدها الصّدّيق وجملة الصّحابة الأخيار رضي الله عنهم أجمعين ، ألا لعنة الله على الظّالمين
🟠 دروس
وعبر 🟠
🟩 الأسرة الطّاهرة وامتحان الإفك
لقد ملأت حادثة الإفك قلب الحبيب رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ ألماً وحسرةً وحيرةً ، كيف لا وقد أصاب السّهم كبده عائشة تلك الفتاة التّقيّة الصّالحة والزّوجة والحبيبة الغاليّة ! بل ها هو ذا صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ يُرمى في طهارة فراشه وعرضه وحرمته ورسالته ودينه ودعوته ، وهو رسول الله عنوان العفّة والنّبل والطّهارة والاستقامة ، والمصيبة الكبرى أنَّه صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ لا يملك ما يدفعه عنها وعنه هذا الأذى ، ومع ما في يقينه من قرائن توحي ببراءة زوجه لكنّ الشّك يساوره
ـ وهو بشر قبل ذلك وبعد ـ بينما تعيش زوجته حالات شدّة وعنت وقد تنكّر لها الوجود كلّه وهي القائلة : وأيمُ الله لأنا كنت أحقر في نفسي وأصغر شأنا من أن يُنزل الله فيّ قرآنا ، لكنّي كنت أرجو أن يرى النّبي عليه الصّلاةُ والسّلام في نومه شيئاً يُكذّب الله به عنّي ما يعلمه من براءتي ، أمّا قرآناً ينزل فيّ ، فو الله لنفسي أحقر عندي من ذلك ، وللمتأمّل أن يعيش الحادثة مع الأسرة الطّاهرة والمشاعر القاهرة التي كان تهزُّ فؤاد كلّ فرد فيها ، [ فها هي ذي عائشة الطّيّبة الطّاهرة ، ها هي ذي في براءتاها ووضاءة ضميرها ونظافة تصوّراتها ، ها هي ذي تُرمى في أعزّ ما تعتزّ به ، تُرمى في شرفها وهي ابنة الصّدّيق النّاشئة في العشّ الطّاهر الرّفيع ، وتُرمى في أمانتها وهي زوج رسول الله محمّد بن عبد الله من ذروة بني هاشم ، وتُرمى في وفائها وهي الحبيبة المدلّلة القريبة من ذلك القلب الكبير
وها هو أبوبكر الصّدّيق ، في وقاره وحساسيته وطيب نفسه ، يلدغه الألم ، وهو يُرمى في عرضه ، في ابنته زوج محمّد صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ صاحبه الذي يحبُّه ويطمئنُّ إليه ، وإذا الألم يفيض على لسانه وهو الصّابرُ المحتسب القويُّ على الألم ، فيقول : والله ما رُمينا بهذا في الجاهليّة ، أفنرضى به في الإسلام ؟! وأمّ رومان زوج الصّدّيق رضيّ الله عنها ، وهي تتماسك أمام ابنتها المفجوعة في كلّ شيء ، المريضة التي تبكي حتى تظنُّ أنّ البكاء فالق كبدها ، فتقول لها يا بنية هوّني على نفسك الشّأن ، فو الله لقلّما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبُّها ولها ضرائر إلّا أكثرنَ عليها … ولكنّ هذا التّماسك يتزايل وعائشة تقول لها : أجيبي عنّي رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ فتقول كما قال زوجها من قبل : والله ما أدري ما أقول ، وما كان حديث الإفك رميةً لعائشة وحدها إنّما كان رميةً للعقيدة في شخص نبيّها وبانيها ، من أجل ذلك أنزل الله القرءان ليفصل في القضية المبتدعة ، ويردّ المكيدة المدبّرة ويتولّى المعركة الدّائرة ضدّ الإسلام ورسول الإسلام ، ويكشف الحكمة العليا من وراء كلّ ذلك وما يعلمها إلّا الله { إِنَّ الَّذِينَ جاءوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ، لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ، وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ } سورة النور آية 11 ] 02
🟩 وقفات واعظات في قصّة الإفك
♕ أوّلا : التّأكيد على أنّ سنّة الله في الابتلاء ماضيّة في خلقه إلى يوم الدّين فأشدُّ النّاس بلاء الأنبياء ، ولو شاء الله لفرّج على رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ من أوّل يوم بتبرئة زوجه عائشة رضيّ الله عنها ، ولكنّها حكمته تعالى التي اقتضت هذا الابتلاء لتربيّة الجميع وتأديب الصّحابة رضي الله عنهم ، وتمحيص الصّف ، لتأتي الأحكام حماية للأسرة وصيّانتها ، وضبط وشائجها وإحكام العلاقة بين الجنسين ، وهو ما يحفظ للمجتمع سلامته وأمنه وأركانه ، وقد أورد القرءان امتحان السّيّدة البتول مريم الطّاهرة وابنها المسيح عليهما السّلام بمثل هذا القذف المشين ، وكذا سيّدنا يوسف عليه السّلام ، فبرّأهم الله جميعاً ، وكذلك هو الأمر مع أمّة من النّاس ، فلنتّق لله عند الابتلاء ، ولنصبرْ ولنحتسبْ ، ولنعتبر بما حدث للأخيار من قبلنا ونبتعدْ قبل ذلك وبعد عن كلّ شبهة قد تعرّضنا لسخط الله تعالى
♕ ثانياً : حفظ الله وصيانته وحمايته لأنبيائه ورسله من أنْ يقع لزوجاتهم شيء من الفاحشة والخيّانة الزّوجية ، وفي تبرئة القرءان للعفيفة الطّاهرة عائشة ما يرفعُ شأْنها ويزيدُ شرفها ، كما أنّ في هذه الحادثة سلوى وعزاء لكلّ عفيفة طاهرة مسّها من سوء الظّنّ والقذف ، ولحقها من الأذى ، فلتصبرْ ولتحتسبْ ولتسأل الله الفرج
♕ ثالثا : واجب التّأكّد والتّثبُّت والتّريُّث من الأقوال والإشاعات وصحّتها من كذبها قبل إذاعتها وإعادة نشرها ، قال تعالى في الآية 17 من سورة النّور : { ولولا إذ سمعتموهُ قلتم ما يكونُ لنا أن نتكلّم بهذا سبحانك هذا بُهتانٌ عظيم } آية 16 من سورة النور
ورحم الله شيخي محمد باي بلعالم القبلاوي الذي نصحني في تقريظه لكتابي { التعليم القرءاني في الجزائر بين الواقع والمأمول } قائلاً : ( أوصيك وأوصي الباحثين أمثالك أن يتحقّقوا ويستوثقوا قبل أن يكتبوا أو ينطقوا ، إيّاكم أن تعطوا للحبّة ما للقبّة أو للقبّة ما للحبّة، فليس كلّ بيضاء شحمة ، ولا كلّ سوداء فحمة ، إيّاكم أن تستسمنوا ذا ورم أو تنفخوا في غير ضرم
لا تركن إلى ذي منظر حسن
فربّ رائعة قد ساء مخبرها
ما كلّ أصفر دينار لصفرته
صفر العقارب أرداها وأنكرها
♕ رابعاً : تحريم المساهمة في إشاعة الفاحشة بين النّاس ، لزرع الفتن وزعزعة الثّقة وبثّ الرّيب والشّكّ بين عباد الله للتّفريق بينهم والعيّاذُ بالله ، قال تعالى في الآية 19 من سورة النّور: { إنّ الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الذين ءامنوا لهم عذاب أليمٌ في الدّنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون } آية 19 من سورة النور
لذا جاء التّحذير من الإشاعة وترويجها من غير دليل لاسيّما ما تعلّق منها بحياة الأفراد الخاصّة ، وممّا يزيد في هذا البلاء اليوم وجود هذه الوسائط الإعلاميّة والوسائل التّكنلوجيّة بيننا من فايسبوك وتويتر وتيك توك وماسينجر وما ينتج عنها من فواحش وتتبّع لعورات النّاس واصطيّاد عثراتهم ، وما أكثر ما يحدثُ حولَنا هذه الأيام من اتّهاماتٍ ومحاكماتٍ وسجن وتغريم لما يقع من تركيب للصّوّر وإعداد السّيناريوهات والتّهديد ببثّها لإخضاع الغير وابتزاز الأموال وتخريب البيوت والاستغلال الجنسي السّاقط أو إخضاع خصوم السّياسة والتّجارة وغيرها من مصالح الدّنيا الفانيّة ، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم
♕ خامساً : حكمته وحنكته صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ في تسيير الأزمات
رغم حساسية الحادثة التي مسّت عرضه فلم يتسرّع أو يُطلق أحكاما مسبقة تحت الضّغط أو يتناول زوجه بقولٍ أو فعلٍ ، بل أخذ يسأل ويستشير أهل العقل والرأي والمقرّبين صابراً محتسباً شهراً كاملاً حتى نزل القرءان بالقول الفصل ، فقد كان من السّهل عليه صلّى الله عليه وسلًم وهو بشر أن يجنح لأي موقف كأن يختار زوجة أخرى كما أشار عليه بعضهم ولكنه درس بليغ في التأنّي والصبر والتحرّي ، فالزمن جزء من العلاج وهكذا وجب أن يكون القائد والمسؤول حين تُعرض عليه المعضلات ! وهو ما عبّر عنه الفيلسوف الإنجليزي الشهير « بيرنارد شو » في قوله : ( وأرى واجباً أن يُدعى محمد ( صلّى الله عليه وسلّم ) منقذ البشرية وأنّ رجلاً على شاكلته لو تولى زعامة العالم الحديث لحلّ جميع إشكالاته ) صلّى الله عليه وسلّم وشرّف ووالى عليه ذلك وأنعم ، والسؤال الذي يطح نفسه : ماذا لو حدث ذلك بيننا اليوم ؟! قد تجد الصُّحف والمجالس واللّقاءات مادّة للاستهلاك ، وربّما تهدّم كيان الأسرة كلّها ، ولا يُستبعدُ أن يكون للزّوجة ووالديها النّصيب الأوفر من الشّتائم
والسّبّ ظُلماً وجوراً ، وهو ما حرّمه الله
♕ سابعاً : في حادثة الإفك رسالة للجهلة والنّساء منهم بصفة خاصّة ، وهم يقصدون المشعوذين من السّحرة والعرّافين وبعض الرّقاة الجهلة ليطلعوهم على ما يحمله لهم الغيب فيصدّقوهم ويبنون على تلكم الأكاذيب مواقف وقرارات قاتلة ، وقد حذّرنا رسول الله صلّى اللهُ عَليْهِ وَسلَّمَ من ذلك في توجيهاته ليظلَّ المجتمع طاهراً نقيّاً
سابعاً : الدّعوة إلى الشّفقة على الأهل والأقارب وإن ظهر منهم بعضُ السّوء ، كما في خطاب الله لأبي بكر رضيّ الله عنه في الآية 22 من سورة النّور ، إذْ يقول سبحانه : { ولا يأتل أولو الفضل منكم والسَّعة أن يؤتوا أُولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا أَلا تُحبّون أنْ يغفر الله لكم والله غفور رحيم }.
وصلّ اللّهمّ وسلّم على رسول اللّه.

الهوامش …………….
(01) كتاب فقه السيرة للشيخ سعيد رمضان البوطي دار الشّهاب للطّباعة والنشر عمّار قرفي … باتنة جانفي 1979م ص 281 … 287
( 02 ) تفسير في ظلال القرآن الجزء الرابع الصفحتان 2499 … 2500

Related Articles

Back to top button