الدعاء المُرّ: حين تدعو على من كنتَ تدعو له

الشيخ الدكتور / سالم الشيخي
تحدثتُ مع صديقي يومًا عن “الدعاء المُرّ”، فتوقف قليلًا ثم سألني: وما الدعاء المُرّ؟
قلت له: ليس الدعاء المُرّ أن تسأل الله أمرًا عسيرًا، ولا أن ترفع إليه شكوى من ضيقٍ أو همّ. الدعاء المُرّ حقًا هو أن تدعو على إنسان كنتَ يومًا تدعو له.
أن تذكره في سجودك طالبًا له التوفيق والسعادة، وتمام الصحة والعافية، ثم تأتي الأيام بما لا تشتهي القلوب والنفوس، فتقع منه خيانةٌ وغدرٌ بأمانةٍ استُؤمن عليها من مالٍ أو أرضٍ أو تجارة، فتجد نفسك ترفع اليدين نفسيهما، ولكن بكلماتٍ مختلفة؛ كلماتٍ تطلب فيها من الله أن ينصفك منه، وأن يأخذ لك حقك منه متى شاء، وكيف شاء، وبما شاء، أو أن يردّ إليك حقك الذي ضاع.
ما أقسى هذا التحوّل على النفس السويّة! فالدعاء لا يتغير إلا بعد أن تتغير أشياء كثيرة في الداخل؛ بعد غدرٍ عميق، وخيانةٍ مركّبة، وكذبٍ وزور، وخيباتٍ متراكمة، وجروحٍ لم تندمل، ومحاولاتٍ طويلة للعذر والتجاوز والصبر.
ليس الألم في الدعاء نفسه، بل في المسافة التي قطعها القلب حتى وصل إليه. فالقلب الذي دعا بالخير لم يكن يتخيّل يومًا أنه سيقف في الجهة المقابلة من المشاعر. ولذلك يبقى الدعاء على من أحببناه يومًا من أكثر الأدعية مرارة؛ لأنه لا يذكّرنا بظلم الآخرين وغدرهم وخيانتهم للأمانة فحسب، بل يذكّرنا أيضًا بما كان بيننا وبينهم من ثقةٍ ومودّةٍ وأملٍ وحسن ظن.
ذلك هو الدعاء المُرّ: أن تدعو على إنسان كنتَ ذات يوم تدعو له من أعماق قلبك.



