ماهو دور الدّين هنا؟

د.شيروان الشميراني
عادة المواسم العبادية التي هي من أيام الله سبحانه كأداء فريضة الحج التي هي في أيام محددة، وأداء جماعي، أو أيامها المنفردة كيوم الجمعة، يكثر من العبادات فيها ما لم يكن يرى قبلها، وشهر رمضان من أكثر ما يحدث فيها تلك العبادات الخاصة التي لا تجدها في غيره وأكثر ما تكون فيها المساجد معمرة بالمصلين، حيث المسلمون يتوجهون فيها جمعاً إلى الله، ليس شرطاً أن يكون المسلم لكي يصوم في رمضان صياماً مقبولاً ملتزماً التزاماً كاملاً بالتعليمات الإلهية في غيره من الشهور، وإنما قد يكون عابداً من رمضان إلى رمضان، وكذلك من يعود إلى الله عودة نسبية غير كاملة، وهذه العودة النسبية هي أكثر ما تكون من النساء، حيث شروط التقيد بالنسبة لهن أكثر وأدق من الرجال.
خلال الفترة الماضية – ولأول مرة في كُردستان- برزت نماذج تقرأ القرآن الكريم تجويداً في أمسيات وسهرات رمضانية وبألحان جالبة بصوت عالي، منهن من تمارس الغناء قبل رمضان، أي إنها ليست من أهل القرآن ولا من خاصته، لكن القنوات التلفزية هيأت لها منصات سحورية مستمرة تقدم فيها وصلات قرآنية مع شعر مكشوف..
وهناك من الرجال والنساء يجمعون بين الخمر “قبل رمضان” والصيام في رمضان، أو الفصل بين الصلاة والصيام “يصوم دون الصلاة”، في تناول هذه القضايا يكثر الجدل والسجال بين مؤيد ومعارض على الدوام، وهذه مسائل فقهية لا أخوض فيها وليس من طبيعتي الخوض فيها، لها مختصوها وكبار علماءها من أهل الفقه، لكن ومع تجنب الدخول في دائرة التحليل والتحريم، إلا أن هناك مسلمات تربوية يستحيل تجاوزها، وهي الآداب العامة التي على حامل القرآن أن يتصف بها، وأخلاقياته، وكذلك طريقة الأداء والخشوع المخبت اللازم المصاحب للإستماع لرب العالمين، وقراءة كلماته المباركة. ليس تنقيصاً من الصائم ولا القاريء وإنما لتكمل الصورة وتزداد بهاءً وجمالاً.
أكثر ما تحدث عنه العلماء كشروط تعتبر معيار قبول العبادات هو شرطان:
1- بما أن العبادات توقيفية فيجب أن تكون موافقاً لكتاب الله وسنة رسوله – عليه الصلاة والسلام-، لا زيادة فيها ولا نقصان ولا تغيير في الأداء.
2- أن تكون خالصاً لوجه الله، خاليةً من الرياء.
هذان الشرطان المحدِّدان لصحة العبادات ومن ثم قبولها، يمثلان جانب الصحة من الناحية العلمية والقلبية، أي الجمع بين الظاهر والباطن، وهنا أدى العابد عبادته موافقاً لما شرعه الله.
لكن في قراءة شاملة لغايات العبادات في الإسلام، وإنها ليست من أجل مصلحة أو حاجة إلهية “تعالى الله علواً كبيراً”، بل وسائل تربوية تكوينية، وأخذاً بنظر الإعتبار ما فتحنا به المقال، لا مفرّ من وضع شرط ثالث تكميلي تربوي للشرطين السابقين المشهورين، وهو:
3- “شرط الكمال”، أن تؤدي الغرض منها، بمعنى أن تحقق المرام من فرض هذه العبادات أو التقرب بالسنن والنوافل، لأن الشرطين الأوليين ليسا سوى سكة السير المشروع، لكن لماذا أنت تسير على هذه السكة؟ ومالغاية من هذا السير؟ فهو ليش شرطاً يتوقف عليه قبول العبادات. وإنما لكي تؤدي العبادات الغايات التي وضعت وفرضت من أجلها. وليس هو لمجرد إسقاط الفرض ورفع العتب.
إنّ الإسلام بطبيعته دين تغييري، ليس ديناً بروتوكولياً بارداً، يختلف عن الأديان الأخرى السماوية والوضعية، جاء ليخلق واقعاً جديداً، والعبادات هي القالب الذي يهيء العابد ويضعه على الطريق لكي ينتقل من حال إلى حال، ليس من طبيعة المنهج الإلهي القبول بأقل من النجاح والتحقق على الأرض، التحقق والنجاح في جعل العبادات مثمرة هو حلقة مكملة لها، أي أنها لن تكتمل ولن تكون التي أرادها الله تعالى إلا برؤية شجرتها باسقة على أرض الحياة نموذجاً يثبت قدرة هذا الدين على التحقق وأداء الدور الرسالي. لأن قبول العمل وشرعيته ليست هي المقصودة لذاتها، وإنما لتأتي الثمرة كاملة. هذا هو دور الدين في المنهج الإسلامي.
يحكي أستاذنا الدكتور محسن عبدالحيمد، أنه كان في جولة أوروبية لإلقاء كلمات ومحاضرات في النوادي والمساجد، وفي إحدى المرّات قرّر أن يدخل كنيسة يومَ الأحد، عند اجتماع الناس للقداس، وبعد الإنتهاء وقراءة التراتيل من القس، أخذ الناس بيد البعض رجالاً ونساء في جوّ مختلط ممزوج بموسيقى هادئة، يقول، في وسط هذا الجو اقتربت من القس واستأذنته في طرح سؤال، وقلت له: ما هو دور الدين هنا؟،
فابتسم وأعطاني ظهره ومشى.
هذه الخاصية من مُمَيِزات الإسلام عن المسيحية، يجب أخذها بنظر الإعتبار عند الحديث عنهما، لأن الإسلام لا يعطي توجيهاً لأتباعه عبثاً، ولن يفرض العبادات كالصيام والصلاة لإسقاط الفرض فقط، وإنما هي قنوات تغييرية بحركة دائبة. فلا بدّ من مصاحبة الصلاة والصيام الإنسان المسلم في مختلف دروب حياته، وأن يرى الآثار في الحياة اليومية. فالصلاة مثلاً تنهى عن الفحشاء والمنكر، لكن ليس المنكرات موجودات داخل المساجد، وإنما في أزقة الحياة الخانقة، هناك يجابه الصائم والمصلي المنكرات بقوة الصلاة التي تذهب معه ولا ينبغي له أن تتركه أينما حلّ وارتحل.




