اجتماعيةعاممقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

الأحوال الدينية والسياسية للعالم الإسلامي قبيل القرن التاسع عشر

بقلم: د. علي محمد الصلابي

اتسمت الأحوال الدينية والسياسية في العالم الإسلامي قبيل القرن التاسع عشر بالجمود الفكري والتراجع الحضاري، حيث ضعف الاجتهاد وانتشر التقليد، وغلبت الممارسات الدينية المنحرفة على كثير من المجتمعات. وفي ظل هذا التدهور، تراجعت هيبة العلماء، واختلطت الأدوار الدينية بالمصالح الدنيوية، بينما شهدت الدولة الإسلامية اضطراباً واستبداداً وفساداً في الإدارة والحكم، كما ساهمت الصراعات الداخلية وتعدد القوى المتنازعة في إضعاف وحدة المسلمين، مما أتاح للقوى الأوروبية التوسع والتدخل في شؤونهم، وأمام هذه التحديات، ونتيجةً لها، بدأت بوادر حركات إصلاحية تسعى لإحياء الدين وتصحيح مسار الأمة.

«كان علماء الدين في الدولة العثمانية يعتبرون أنفسهم حماة الشريعة والحريصين على التمسك بمذهب أهل السنة، إذ كان دين الدولة الإسلام ومذهبها الرسمي هو المذهب الحنفي، وكان على رأس هؤلاء العلماء شيخ الإسلام، ووظيفته شبيهة بوظيفة الخليفة العباسي الذي كان يقيم في القاهرة في ظل حكم المماليك، وكان مركزه معادلاً لمركز الصدر الأعظم (رئيس الوزراء)، ويتمتع شيخ الإسلام بصلاحية إصدار الفتاوى في القضايا الكبرى، كأن يصدر فتوى بعزل السلطان أو إعلان الجهاد، ولكنه من الناحية العلمية يعين من قبل السلطان ويلي شيخ الإسلام في منصبه (قاضيا العسكر) في الروملي، والأناضول، وقاضي إستانبول، ويليهم عدد من القضاة يكونون جميعاً مع شيخ الإسلام (المجلس الأعلى للعلماء)» (المحافظة، ص 12).

وجمد المسلمون في علوم دينهم، فليس لديهم إلا ترديد بعض الكتب الفقهية، والنحوية، والصرفية، ونحوها، وجمدوا على فقه المذاهب، وجل همهم التعمق في الحواشي، وحفظ المتون، دون القدرة على الاجتهاد.

وجعلوا لكل مذهب من المذاهب الفقهية مفتياً وإماماً، وتعددت الجماعات في المسجد الواحد كل ينتصر لمذهبه، وكل يصلي خلف إمام حسب المذاهب المتواجدة في ذلك المسجد، كما أن الإفتاء في أي مسألة حسب مذهب السائل، وحرم على الناس خروجهم عنها، وأغلق باب الاجتهاد بمغاليق من حديد، وكان علماء الدين كما وصفهم المؤرخ الجبرتي: «إنهم قد زالت هيبتهم من النفوس، وانهمكوا في الأمور الدنيوية والحظوظ النفسانية والوساوس الشيطانية، ومشاركة الجهال في الماتم، والمسارعة إلى الولائم في الأفراح والماتم، يتكالبون على الأسمطة، كالبهائم، فتراهم في كل دعوة ذاهبين، وعلى الخوانات راكعين، ولما وجب عليهم من النصح تاركين».

أمور يضحك السفهاء منها                     ويبكي من عواقبها اللبيب

وعندما دخل نابليون بونابرت مصر غازياً، استفاد من أمثال أولئك العلماء وألَّف منهم ديوان القضاء، وقال: «إني أستعين بهم لاتقاء أكثر العقبات ؛ إذ إن أكثرها دينية، ولأنهم لا يعرفون أن يركبوا حصاناً، ولا أن يقوموا بأي عمل حربي، وقد استفدت منهم كثيراً، واتخذتهم وسيلة للتفاهم مع الشعب».

وليس معنى ذلك أنه لم يكن لبعض العلماء دور في محاربة نابليون؛ بل إن ثورات القاهرة المشهورة ضد الاحتلال الفرنسي قادها علماء الأزهر، ولقد تعرضت لها في كتابي (الدولة العثمانية).

لقد انتشرت في ذاك العصر الدعوات المنحرفة، والأفكار المسمومة، وكثرت مظاهر تقديس القبور، وطلب الحاجات من أصحابها، وبناء القباب الضخمة عليها والصلاة حولها، وارتكاب البدع الخطيرة، وانتشر التصوف المنحرف في أرجاء البلاد الإسلامية، شرقها وغربها، عربيها وعجميها، لقد ضاع مفهوم العبادة الصحيح، والولاء والبراء، وانحرفت الأمة عن كتاب ربها وسنة رسولها (ص)، فكان من الطبيعي أن تتعرض لضربات أعدائها، وأطماعهم الشريرة، فإذا نظرنا للدولة العثمانية، نجدها قد انقلبت إلى مطايا استبداد وفوضى واغتيال، وكثر السلب والنهب، وفقد الأمن، وانحرف بعض السلاطين عن الصواب ؛ يقول محمد كمال جمعة: «وكانت قصور السلاطين والوزراء وكبار رجال الدولة مملوءة بالجواري والسبايا، وكان بعض أولئك السبايا أجنبيات من بلاد أجنبية فكن عيوناً لدولهن على الدولة العثمانية».

«وقد تعالى سلاطين هذه الدولة على الرعية، فإذا خاطبوا الرعية كانوا لا يوجهون الخطاب إليهم مباشرة بل يقولون لولاتهم: بلغوا عبيد بابنا العالي» (جمعة، ص 12-13).

وكانت الدولة العثمانية في اخر زمانها لا تحارب التصوف المنحرف بمختلف طرائقه وبصوره التي بعدت عن الإسلام بعداً شاسعاً، وكانت قد دخلت عليه عادات بعضها نصرانية، كالرهبانية، واللعب بذكر الله، وابتداع أساليب فيه، كالرقص، والغناء، والصياح، والتصفيق… إلخ.

فإذا نظرنا إلى بلاد فارس؛ نجد الدولة الصفوية الرافضية قد عاصرت الدولة العثمانية، وكانت تدعي الإسلام وهي دولة رافضة على مذهب الإمامية، وكانت تغالي في الرفض حتى إنها حاربت الدولة العثمانية ـ لأنها منسوبة إلى السنية ـ أشد الحرب بتحريض من النصارى والصليبيين، واستجابة لمعتقدهم الفاسد.

أما إذا نظرنا إلى بلاد الهند؛ فقد كانت الدولة المغولية؛ لكنها كانت بقية، ورثها أبناء ملك الهند المغولي أكبر خان، وقد قرب الشاعر الشيعي المسمى الملا مبارك ووليده أبا الفائز، (وكان شاعراً متصوفاً)، وأبا الفضل (وكان فيلسوفاً على طريقة الصوفية المنحرفة)، وجعل فتح الله الشيرازي من أكابر علماء الشيعة من فارس مستشاره الشرعي، وهو شديد الوطأة على علماء أهل السنة، وألغى اللسان العربي من بلاطه وجعل الفارسي مكانه، وكان ميالاً إلى التصوف المنحرف ويراه أرقى طريقة إسلامية، وهو على طريقة تصوف أهل وحدة الوجود، وله عقائد أخرى ؛ منها: تناسخ الأرواح، أخذه عن البراهمة (المودودي، ص 69-79).

مما دعا الشيخ العالم ولي الله الدهلوي (ت 1176 هـ) في نهاية هذا العصر المغولي أن يقوم بجهود تكسر الجمود، وتطلق العقول لتتمشى مع صلاحية الإسلام لكل زمان ومكان (المودودي، ص 79-80)، ولكن انتهت دولة المغول في الهند، وطمعت البرتغال الكافرة في مسلمي الهند بسبب فساد ملوك هذه الدولة المغولية، وقامت حروب داخلية كثيرة، وتغلب فيها الهندوس، واستعمرتها شركة الهند الشرقية الإنكليزية حوالي (1175 هـ) (جمعة، ص 20-21).

وأما المغرب الأقصى: كانت دولة العلويين تعاني من خلافات القبائل وثورات البربر ونزاع الطامعين على العرش، وتحاول جاهدة في الحفاظ على نفسها أمام أطماع الدول الاستعمارية، وقد كان لها قبل ذلك القرن أسطول بحري قوي حمى حدودها البحرية، وفرض احترامها على الدول الأوروبية، ولكنها خسرته في عهد السلطان سليمان الذي أهمله واختار اتباع طريقة عقد المعاهدات مع الدول الأوربية، وعندما حاول ابنه السلطان عبد الرحمن إعادة بناء الأسطول وقفت له تلك الدول بالمرصاد وأجبرته على التخلي عن عزمه (الدجاني، ص 12).

وبدأت الدول الأوروبية تستقطع من العالم الإسلامي دولاً كلما أتيحت لها الفرصة، لقد اهتز المسلمون لاحتلال الصليبيين لأجزاء من الوطن الإسلامي اهتزازاً عنيفاً، كما أثر عليهم احتكاكهم بالغرب، واطلاعهم على تقدمه، بالإضافة إلى إحساس بعضهم بتخلف المسلمين وانحطاطهم.

ومن هنا نبعت حركات الإصلاح التي تتابعت في العالم الإسلامي منذ النصف الثاني للقرن الثامن عشر، بتأثير عوامل عديدة ؛ منها: إحساس بعض العلماء الربانيين بسوء الأوضاع في العالم الإسلامي، وتحدي العالم الصليبي الأوروبي للعالم الإسلامي واحتلاله أجزاء منه، فقامت حركة الشيخ محمد بن عبـد الوهاب في نجد، وكان الدافع لها إحساس مؤسسها بانحطاط المسلمين، وتأخرهم؛ لقد أذن الله سبحانه وتعالى بظهور دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، بعدما أطبقت الجهالة على الأرض، وخيمت الظلمات على البلاد، وانتشر الشرك والضلال والابتداع في الدين، وانطمس نور الإسلام، وخفي منار الحق والهدى، وذهب الصالحون من أهل العلم فلم يبق سوى قلة قليلة لا يملكون من الأمر شيئاً، واختفت السنة وظهرت البدعة، وترأس أهل الضلال والأهواء، وأضحى الدين غريباً، والباطل قريباً، حتى لكأن الناظر إلى تلك الحقبة السوداء المدلهمة ليقطع الأمل في الإصلاح، ويصاب بيأس قاتل في أي محاولة تهدف إلى ذلك.

المصادر والمراجع:

  1. المحافظة، علي. الاتجاهات الفكرية عند العرب في عصر النهضة.
  2. جمعة، محمد كمال. انتشار دعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب خارج الجزيرة العربية.
  3. المودودي، أبو الأعلى. موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه.
  4. الدجاني، أحمد صدقي. الحركة السنوسية نشأتها ونموها في القرن التاسع عشر.
  5. الصلابي، علي محمد. الثمار الزكية للحركة السنوسية.

Related Articles

Back to top button