عبدالسلام البسيوني… حين يلتقي الداعية بالفنان والأديب بالمفكر
أ. د. وصفي عاشور أبوزيد

ليس عسيرًا أن تكتب عن عالم كثرت مصنفاته، أو داعية اتسع أثره، أو أديب رقَّ بيانه، أو إعلامي خبر صناعة الكلمة؛ إنما العسير حقًّا أن تكتب عن رجل اجتمعت فيه هذه الصفات، وامتزجت في شخصيته حتى غدا الفصلُ بينها إخلالًا بحقيقته، وأصبح كلُّ لقب يُطلق عليه كاشفًا عن بعضه، حاجبًا لبعضه الآخر، فإذا قلت: العالم، ظهر لك الأديب من وراء علمه؛ وإذا قلت: الداعية، أطلت عليك روح الفنان من ثنايا دعوته؛ وإذا وصفته بالمفكر، وجدت الشاعر حاضرًا في وجدانه ولغته؛ وإذا رأيته إعلاميًّا، لم يغب عنك صاحبُ الرسالة الذي لا يتخذ الكلمة حرفةً، وإنما يحملها أمانةً، ويجعلها جسرًا إلى العقل والقلب والحياة.
ومن هذا الطراز الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني؛ شخصية لا تستوعبها خانة، ولا تنغلق على تخصص، ولا تقبل أن تُختصر في منصب أو كتاب أو مرحلة من مراحل العمر؛ فهو ثمرة تكوين علمي راسخ، وقراءة واسعة لا تعرف الحدود المصطنعة بين حقول المعرفة، وموهبة أدبية أصيلة، وحس فني مرهف، وتجربة دعوية وإعلامية طويلة، فضلًا عن روح حية ظلت ترى الإسلام أوسع من أن يُحبس في مسائل متفرقة، وأغنى من أن يُقدَّم إلى الناس في عبارة جافة أو صورة شاحبة.
وهذه المقالة لا تروم إعادة سرد محطات حياة الشيخ الدكتور عبد السلام البسيوني، والتي بدأت بمدينة زفتى بمحافظة الغربية في مصر في 29 يونيو 1953م، ولا استعراض مؤلفاته واحدًا واحدًا، فذلك مما تغني عنه سيرته الذاتية التي كتبها في خمسة أجزاء: “زفتى التي في خاطري”، وإنما غايتها أن تتجاوز ظاهر الوقائع إلى باطنها، فتستكشف الخيط الناظم الذي يجمع أعماله، والفكرة المركزية التي انتظمت حياته العلمية والدعوية والثقافية؛ فالرجل ليس صاحب مؤلفات متفرقة، ولا مواهب متجاورة، وإنما هو مشروع حضاري متكامل، تآزرت فيه ملكاتُ العالم والأديب، والداعية والفنان، والإعلامي والمربي، والمفكر والكاتب، حتى غدت المعرفةُ الشرعية عنده تتساند مع الحس الجمالي، والأدب يخدم الدعوة، والفن يعمق معاني العقيدة، والثقافة تحمل رسالة الإسلام، فأصبحت جميعُ أعماله، على اختلاف صورها، تعبيرًا عن رسالة واحدة، تعددت وسائلها، وبقي مقصدها واحدًا.
شهادة القرضاوي.. بصيرة سبقت الأيام
كان من أوائل من نفذوا إلى جوهر هذه الشخصية، والتقطوا سرها الجامع شيخُنا الإمام يوسف القرضاوي، رحمه الله؛ حيث قدَّم بطلب منه قبل عقود لكتاب البسيوني “تجفيف المنابع”، فلم يتوقف عند موضوع الكتاب، ولم يكتف بالثناء على مادته أو أسلوبه، بل رسم صورة لمؤلفه تكاد تكون مفتاحًا لقراءة حياته كلها؛ فرأى فيه “عبق الأديب، ومهارة الصحفي، وغيرة المؤمن، وروح المقاتل”، ثم أودع خلاصة رؤيته في قوله إنه يجمع بين “روح الفنان مع روحانية الداعية، وعقل الباحث مع قلب المؤمن، وريشة المصور مع سيف المجاهد”.
وما أجمل هذه المقابلات وأدقها؛ فهي لا تعد صفات متناثرة، بل تكشف عن الأضداد الظاهرة حين تتصالح داخل الشخصية الكبيرة، فالفنان قد تستغرقه رهافةُ الحس حتى تضعف فيه صلابة الموقف، والمقاتل قد تستبد به حرارة المواجهة حتى تخبو في نفسه لطافةُ الفن؛ والباحث قد يشتغل ببرودة التحليل حتى يبتعد عن نبض الإيمان، والمؤمن المتحمس قد تغلبه حرارةُ القلب عن تدقيق العقل، أما شيخنا البسيوني، كما رآه القرضاوي، فقد جمع من كل طرف أحسنَه، وأقام بين هذه الملكات ميزانًا دقيقًا: لا تُفسد فيه الروحانيةُ البحثَ، ولا يجفف البحثُ الروحَ؛ ولا يحول الفنُّ دون الصدع بالحق، ولا تطفئ المعركةُ مصباحَ الجمال.
ولم تكن شهادةُ القرضاوي مجاملةَ شيخٍ لتلميذ قريب منه، بل كانت قراءةً بصيرة أثبت الزمنُ صدقَها، وكشفت مؤلفاتُ البسيوني المتتابعة وتجربته الممتدة عن أبعادها، فما كان يومئذ ملامحَ أولى صار بعد ذلك مشروعًا واسعًا؛ وما رآه القرضاوي بذرة في أسلوبه وشخصيته امتد فروعًا في العلم والأدب والصحافة والشعر والمسرح والفن والتاريخ والحضارة.
وقد ظل البسيوني شديد الاعتزاز بهذه الصلة، يقول في وضوح ومحبة: “أنا خريج القرضاوي”، ولم يكن يقصد تخرجًا رسميًّا تمنحه جامعة أو تثبته شهادة، وإنما كان يشير إلى تخرج من نوع آخر: تخرُّج في منهج النظر، وفقه الحياة، وشمول الإسلام، والقدرة على وصل العلم بالواقع، والنص بالإنسان، والأصالة بالعصر؛ حيث كان يرى في القرضاوي مدرسة كبرى متفردة تعلَّم فيها أن العالم لا يكفيه أن يعرف الحكم، بل ينبغي أن يعرف الإنسان الذي يخاطبه، والواقع الذي ينزله عليه، واللغة التي يبلغه بها، والغاية التي يهدي إليها.
على أن هذا الانتساب الصريح إلى مدرسة القرضاوي لم يسلبه استقلاله، ولم يحوله إلى نسخة من أستاذه؛ فالوفاء عنده لم يكن ذوبانًا، والتتلمذ لم يكن إلغاءً للشخصية؛ حيث أخذ عن القرضاوي أفقه الرحب وروحه الوسطية ونظرته الشاملة إلى الإسلام، ثم مضى يبني طريقته الخاصة، ويضيف إلى ما تلقاه خبراته وقراءاته ومواهبه، حتى غدت له نبرةٌ يُعرف بها، وبصمة تميز بها، وملامح فكرية وأدبية لا تخطئها العين.
معرفة امتدت من الكتب إلى الحياة
عرفت اسم الشيخ عبد السلام البسيوني وآثاره قبل أن أعرفه شخصًا، ثم شاء الله أن تجمعنا رابطةُ تلاميذ الإمام القرضاوي وأصحابه في الدوحة سنة 2007م، فانتقلت معرفتي به من صفحات الكتب إلى دفء اللقاء، ومن متابعة الكاتب إلى صحبة الإنسان، ومنذ ذلك التاريخ توالت لقاءاتنا، وزرته في بيته العامر بالدوحة، وجمعتنا مجالسُ ومناسباتٌ في إسطنبول وغيرها، واستمر التواصل بيننا قريبًا من عقدين، بما أتاح لي أن أرى من شخصيته ما لا تقوله السير الذاتية، ولا تُفصح عنه قوائم المؤلفات.
فالكتب تدلك على عقل الكاتب، لكنها لا تمنحك دائمًا مفتاح روحه؛ والسيرة تخبرك بما درسه وعمله وألفه، لكنها قد تعجز عن تصوير طريقته في الإصغاء، ونبرته في الحديث، وحرارة استقباله، وشغفه حين يعرض خاطرًا جديدًا، أو يقف عند لوحة، أو يفسر نقشًا، أو يستدعي بيتًا من الشعر، أو يلتقط من تفصيل صغير دلالةً حضارية بعيدة.
وقد رأيت البسيوني في مجالسه موسوعة حية لا تعرض معارفها عرضًا متكلفًا، وإنما تتدفق منها المعرفة تدفق الطبع؛ يبتدئ الحديث في شأن دعوي، ثم يفتح لك منه بابًا إلى التاريخ، ومن التاريخ إلى الأدب، ومن الأدب إلى الفن، ومن الفن إلى الخط والعمارة، ثم يعود بك إلى الإنسان والإيمان من غير أن تشعر بانقطاع أو افتعال.
وكان مما يميزه ذلك الفضول المعرفي النبيل الذي لا يشيخ؛ فلا يكاد يمر على شيء جميل أو غريب أو دال إلا توقف عنده، وساءله، وربطه بما عنده من معرفة؛ ينظر إلى الأثر بعين المؤرخ، وإلى الخط بعين الفنان، وإلى النص بعين الأديب، وإلى الواقع بعين الداعية؛ ولهذا كانت مجالستُه ضربًا من القراءة الحية؛ إذ لا تخرج منها بمعلومة واحدة، بل بطريقة في النظر، وإحساس بأن العالم من حولنا كتاب مفتوح، وأن الجدران والقباب والنقوش والوجوه والعادات والطرائف كلها نصوص تنتظر من يحسن قراءتها.
ولم تكن علاقتي به علاقة إعجاب عن بعد، بل علاقة تعاون وثقة أيضًا، فقد عرفتُه صاحبَ استعدادٍ نادر لأن يحمل الفكرة، ويوسعها، وينقلها من الخاطر العابر إلى المشروع الناضج، وحين كنت أتولى رئاسة لجنة التزكية والتعليم الشرعي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، اسكتبته في موضوع مهم، هو الوحيد القادر على العطاء فيه فيمن أعرف، وهو: حاجة طالب العلم الشرعي إلى الفن والجمال؛ لإيماني بأن كثيرًا من الدعاة والعلماء ليس عندهم تكوين في هذا الجانب المهم، وأن هذا الباب لا يُحسن اقتحامه إلا من جمع بين رسوخ الصلة بالعلوم الشرعية، وخبرة حقيقية بالفنون، وذائقة أدبية قادرة على كشف الصلة بين الحق والجمال، فحمل الفكرة بجد، ووسع أبعادها، حتى خرج منها عملٌ كبير في جزأين، وهو شاهد على أن الجمال عنده لم يكن حديثَ مجالس، بل أضحى قضيةً علميةً وتربوية وحضارية تستحق التأصيل والبناء.
من الأزهر إلى المدينة.. التأسيس بعيون التراث
إذا أردنا أن نفهم هذا الاتساع في شخصية عبد السلام البسيوني، فلا بد أن نعود إلى تكوينه الأول؛ لأن المواهب، مهما اتسعت، لا تصنع وحدها مشروعًا راسخًا ما لم تجد أساسًا من العلم، وموازين تحكمها، وأصولًا تمنعها من التبدد، وقد كان الأزهر الشريف أولَ الأوعية الكبرى التي تشكَّل فيها وعيُه، فنهل من علومه، واتصل بتراثه، وتربى على أن العلم سلسلة موصولة، وأن الكتاب لا يُغني عن الشيخ، كما لا يُغني الشيخ عن طول النظر والمراجعة.
ثم أُوفد إلى الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة في جملة المتفوقين، فانتقل من بيئة علمية عريقة إلى بيئة أخرى لها روحُها وطرائقها وشيوخها، ولم يكن هذا الانتقال مجرد استكمال لمرحلة دراسية، بل كان توسيعًا مبكرًا لمداركه؛ إذ عرف أن العلم الإسلامي أكبر من مؤسسة واحدة، وأن التراث أرحب من أن يُقرأ من زاوية منفردة، وفي المدينة اتصل بمجالس العلم، وشهد مرحلة زاخرة بأعلام كبار، وأفاد من بيئة كان الكتاب التراثي فيها حاضرًا بالدرس والشرح والمناقشة.
وقد لخص هو أجمل ما خرج به من تلك المرحلة بقوله لي: “أعظم مزية أننا درسنا في الأزهر والمدينة عيون كتب التراث على أيدي أساتذة حاذقين”، وهذه العبارة على وجازتها تكشف أصلًا عظيمًا في تكوينه؛ فلم يكن انفتاحُه اللاحق على الأدب والإعلام والفنون وليدَ فراغٍ معرفي، ولا محاولة لتعويض ضعف في الأصول، بل جاء بعد صحبة واعية لعيون التراث، وتلقٍّ على أيدي من يُحسنون فتحَ مغاليقه، وإحياء مسائله، وربط فروعه بأصوله؛ ولذلك اكتسب انفتاحه ثقته واتزانه؛ فمن عرف بيته جيدًا استطاع أن يفتح نوافذه على العالم من غير أن يخشى الضياع، ومن رسخت جذورُه لم تقتلعها رياحُ التجارب الجديدة.
وكان للتنقل بين الأزهر والمدينة أثر يتجاوز تحصيل المعارف؛ فقد علمه أن المدارس تتكامل حين يتحرر طالب العلم من العصبية لها، وأن لكل بيئة فضلَها وحدودها، وأن الحكمة لا تستنفد في اتجاه واحد، وربما كان هذا من البذور الأولى لفكرته التي نضجت بعد ذلك: أن التلقي من منبع واحد، مهما جلَّ قدرُه، لا يكفي لصناعة الشخصية المستقلة.
دار العلوم والدوحة.. اتساع الأفق ونضج التجربة
ثم عاد البسيوني إلى مصر، وإلى الدراسات العليا بالأزهر، والتحق بالسنة التمهيدية للماجستير في كلية دار العلوم، من غير أن يكون من خريجيها كما قد يتوهم بعض من يقرأ سيرته على عجل، وكانت صلته بدار العلوم نافذةً أخرى على الدرس العربي والأدبي، كما أفاد فيها من أستاذه وأستاذنا الدكتور إسماعيل سالم عبد العال، رحمه الله تعالى، الذي بقي يذكره بإجلال ومحبة، ويرى في علمه وسمته أثرًا من آثار التكوين التي لا تزول بانقضاء سنوات الدراسة.
ودار العلوم، بما تمثله من تلاقٍ بين علوم العربية والدراسات الإسلامية والأدبية، كانت بيئة مواتية لاستعدادٍ كامن فيه؛ إذ لم يكن الأدبُ عنده أمرًا طارئًا، وإنما موهبة تبحث عن أدواتها، وذائقة تحتاج إلى مزيد من الصقل، وهكذا أخذ تكوينُه يزداد تركيبًا: أصول أزهرية، وتجربة علمية في المدينة، واتصال بالدرس العربي والأدبي والحديث، ثم قراءة ذاتية كثيفة راحت توسع ما تمنحه المؤسسات، وتسد ما تتركه المناهج، وتصل ما تفرقه التخصصات.
أما الدوحة فكانت مرحلة النضج والتفاعل الواسع؛ ففيها اتصل اتصالًا وثيقًا بالإمام القرضاوي، وعمل في المجال الثقافي والإعلامي، واقترب من نخبة من العلماء والدعاة والمفكرين، وفي الدوحة التقت روافدُ تكوينه كلها: العالم الأزهري، والطالب الذي خبر المدينة وشيوخها، والأديب الذي صقلته العربية، والقارئ الذي صنع لنفسه أفقًا رحبًا، والداعية الذي يحمل هم الأمة، والصحفي الذي يعرف كيف يبلغ الفكرة إلى جمهور واسع، وما كان لهذه الروافد أن تجتمع في نهر واحد لولا وجود مركز داخلي يردها إلى مقصد مشترك، ويحفظ بينها التوازن.
«مدرستي الخاصة».. حين يصنع العالمُ شخصيته
ومع اعتزازه بالمؤسسات التي درس فيها، وبالشيوخ الذين أخذ عنهم، لم يكن شيخنا البسيوني يرى أن الشهادات الرسمية هي خاتمة التكوين، أو أن العالم يكتمل حين ينتهي من مقرراته. وقد كتب إليَّ في رسالة حديثة يصف رحلته بكلمات صريحة كاشفة، فقال: “درست في الأزهر، ثم أُوفدت إلى المدينة المنورة مع اثنين من أوائل الثانوية، فدرسنا هناك، والحمد لله تفوقنا. ثم عدت إلى الدراسات العليا في الأزهر، ودار العلوم، وأمريكا، لكن الدراسة الكبرى كانت في مدرستي الخاصة؛ القراءة الكثيفة، والتجريب، والانفتاح على الأدب والإعلام والفنون، حتى آمنت وأيقنت أن التلقي من مدرسة واحدة يُخرج نسخًا باهتة عن المشايخ المعلمين”.
هذه ليست عبارة عادية في وصف سيرة، وإنما إعلان لمنهج كامل في بناء الشخصية العلمية؛ فالمدرسة الخاصة التي يتحدث عنها لم تكن عزلة عن العلماء، ولا استغناء عن التلقي، بل كانت الطور الذي يلي التأسيس؛ حين يتحولُ الطالب من مستودع لما يَسمع إلى عقل يحاور ويوازن ويركب ويضيف، إنها المدرسة التي لا جدران لها، ولا تنتهي امتحاناتُها، ولا تمنح شهاداتها إلا في هيئة أثر ظاهر في الفكر والأسلوب والعمل.
وكانت القراءةُ الكثيفة عمادَ هذه المدرسة؛ لا القراءة التي تجمع المعلومات كما تجمع الأشياء في الخزائن، بل القراءة التي تختبر الأفكار، وتقارن بين التجارب، وتبحث عن العلاقات الخفية بين العلوم، ثم جاء التجريب ليمنع المعرفة من أن تبقى ساكنة في الذهن، والانفتاح على الأدب والإعلام والفنون؛ ليكشف له جوانبَ من الإنسان لا تبلغها العبارة العلمية المجردة.
ومن أبلغ ما في عبارته تحذيره من أن التلقي من مدرسة واحدة “يخرج نسخًا باهتة عن المشايخ المعلمين”، فهو لا ينتقص من مقام الشيوخ، بل يحفظ لهم حقَّهم الحقيقي؛ لأن الشيخ الكبير لا يريد من تلاميذه أن يكونوا صورًا مكررة منه، وإنما يريد أن يوقظ فيهم ملكةَ العلم، ويُعينهم على اكتشاف أصواتهم الخاصة، والنسخة تظل، مهما أتقنت المحاكاة، أقل حياةً من الأصل؛ أما التلميذ الوفي حقًّا فهو الذي يأخذ عن أستاذه أصولَ النظر، ثم يُثمر على نحو جديد، فيمتد أثرُ الشيخ فيه من غير أن تُمحى شخصيته.
الوفاء للمدارس والاستقلال عنها
بهذا الفهم أمكن لعبد السلام البسيوني أن يجمع بين الوفاء والاستقلال: وفيًّا للأزهر من غير انغلاق في صورته المؤسسية، معتزًّا بما تلقاه في المدينة من غير تعصب لاتجاه، قريبًا من دار العلوم وروحها العربية وجمعها بين التراث والمعاصرة من غير ادعاء انتساب لم يقع، محبًّا للقرضاوي ومعلنًا تخرجه في مدرسته من غير أن يكون ظلًّا له؛ فأخذ من كل مدرسة ما يوسع علمه ويعمق نظره، ثم أعاد صوغ ذلك كله داخل شخصيته حتى أصبح خلقًا آخر!
ولذلك لم يخرج من الأزهر نسخة أزهرية مألوفة، ولا من المدينة نسخة ُتكرر شيوخها، ولا من مدرسة القرضاوي صورة مصغرة من إمامها؛ وإنما خرج عبد السلام البسيوني: له صوته، وطريقته، ومجالاته التي فتحها، والمزاج الخاص الذي يطبع علمه وأدبه ودعوته، وتلك إحدى علامات التكوين الحقيقي؛ أن تستطيع رؤية الشيوخ في تلميذهم، من غير أن تفقد رؤية التلميذ نفسه.
ومن هذا التكوين المركب خرج مشروعُه الواسع: رسوخ في عيون التراث، وتعدد في منابع التلقي، وقراءة ذاتية لا تفتر، وتجريب يختبر المعرفة في الواقع، وانفتاح على الأدب والإعلام والفنون، واستقلال يحفظ للعقل حريته من غير أن يقطعه عن أصوله، وحين تجتمع هذه العناصر في رجل موهوب، لا يعود غريبًا أن تتعدد كتبُه، وتتسع لغاته، وتتجاور في آثاره العقيدة والشعر، والدعوة والمسرح، والفكر والفن؛ لأن التنوع الذي ظهر في نتاجه لم يكن إلا الثمرة الطبيعية لذلك التكوين الغني، والمدرسة الخاصة التي بناها لنفسه، ثم ظل يتعلم فيها ما امتدت به الحياة.
وما يلفت النظر منذ الوهلة الأولى في تجربة عبد السلام البسيوني اتساع آفاق التأليف لديه؛ فلم يقف عند ميدان واحد، ولم تحصره دائرة تخصص ضيقة، بل تنقلت كتبه بين العقيدة، والفكر الإسلامي، والدعوة، والتربية، والإعلام، والثقافة، والفن الإسلامي، والحضارة، وأدب الرحلات، والمسرح، فضلًا عن دواوينه الشعرية ومقالاته الأدبية والصحفية، وهذا التنوع ليس مجرد كثرة في الإنتاج، بل شاهد على عقل واسع الاهتمامات، يرى الثقافة الإسلامية كيانًا واحدًا، فلا يعزل العلم عن الأدب، ولا يفصل الدعوة عن الفن، ولا يقطع التربية عن الحضارة.
مشروع واحد.. تتعدد لغاته: من كثرة المؤلفات إلى وحدة المشروع
يخدعك عبد السلام البسيوني للوهلة الأولى بكثرة عناوينه وتنوع حقول الكتابة لديه؛ فإذا تصفحت قائمة مؤلفاته خُيِّل إليك أنك أمام عدد من المؤلفين اجتمعوا في اسم واحد؛ فهذا يكتب في العقيدة والدعوة، وآخر في الإعلام والفكر، وثالث في التربية والأسرة، ورابع في الفن والحضارة، وخامس في أدب الرحلات، وسادس شاعر له دواوين مستقلة، بل له مسرحيات مُثِّلتْ على المسرح الوطني القطري، وحضرها جماهيرُ كبيرةٌ يتصدرهم الإمام يوسف القرضاوي والعلامة عبد العظيم الديب، رحمهما الله تعالى.
وقد تنوعت اهتماماته ومجالات كتبه والمحاور التي توزعتها، منها: الدراسات الإسلامية والعقيدة، السيرة النبوية والقرآن الكريم، الفكر والثقافة، الدعوة والإعلام، الأدب والشعر، المسرح الإسلامي، الرحلات، الخط العربي والفنون الإسلامية، التراجم والسير، عروض التدريب والمحاضرات، وكل محور منها يندرج تحته كتب قد تبلغ العشرات.
غير أن هذه الكثرة الظاهرة لا تلبث أن تنتظم في نسق واحد إذا أُحسن النظر إليها؛ إذ لم يكن الرجل ينتقل من موضوع إلى آخر انتقال المتنقل بين الاهتمامات، وإنما كان يتحرك داخل مشروع حضاري واحد، تتعدد وسائله، وتبقى غايته ثابتة.
ولهذا فإن قراءة مؤلفاته قراءةً ببليوغرافية، تقوم على تعداد العناوين وتصنيفها، لا تكشف إلا ظاهرها، أما قراءتها قراءةً منهجية فتفضي إلى نتيجة أخرى؛ وهي أن هذه الكتب جميعًا إنما تدور حول سؤال واحد ظل يشغل صاحبه طوال حياته: كيف يُبنى الإنسان المسلم بناءً متكاملًا؟ وكيف تستعيد الأمةُ قدرتَها على الجمع بين صحة العقيدة، وسلامة الفكر، وجمال الذوق، وحيوية الرسالة، وفاعلية الحضور الحضاري؟ ومن هنا لم تكن كتبُه جُزرًا متباعدة، بل أضحت فصولًا في كتاب واحد ظل يكتبه على امتداد عمره.
الكلمة عنده رسالة قبل أن تكون صناعة
ولعل هذا هو السر الذي جعل الكتابة عند عبد السلام البسيوني تتجاوز حدود التأليف إلى حدود الرسالة؛ فهو لم يكن يكتب لأن عنده علمًا يريد نشره فحسب، ولا لأن الأحداث تستدعي تعليقًا صحفيًا، وإنما كان يرى أن الكلمة مسؤولية، وأنها شريك في صناعة الوعي، وتكوين الذوق، وتوجيه الإنسان؛ ولهذا جاءت كتاباتُه، على اختلاف موضوعاتها، مشدودة دائمًا إلى همٍّ إصلاحي واضح؛ فالعقيدة عنده ليست جدلًا ذهنيًّا، والدعوة ليست خطابًا عاطفيًّا، والإعلام ليس مهنة، والأدب ليس ترفًا ثقافيًّا، وإنما هي جميعًا أدوات لإعادة بناء الإنسان.
ومن هنا اكتسبت كتاباتُه ذلك النفسَ الذي يجمع بين حرارة الداعية، ودقة الباحث، وذوق الأديب، فلم تكن لغتُه أسيرةَ المصطلح الأكاديمي الجامد، ولا مندفعة وراء الانفعال الخطابي، بل بقيت محتفظة بتوازن نادر، يجعل القارئ يشعر أن الكاتب يخاطب عقله وقلبه في آن واحد.
الأديب الذي لم يفارق العالم
ومن أكبر الأخطاء في قراءة شخصية عبد السلام البسيوني أن يُنظر إلى أدبه بوصفه هواية موازية لعمله العلمي؛ لأن الأدب عنده لم يكن فرعًا زائدًا على تكوينه، بل كان أحد أركان هذا التكوين نفسه، فقد عرف الشعر مبكرًا، وأصدر دواوين شعرية، وكتب المسرحية، وخاض تجربة الرحلة، وأجاد المقالة الأدبية، والأدب الساخر اللاذع؛ حتى أصبحت اللغة عنده جزءًا من الرؤية، لا مجرد وسيلة للتعبير بها وعنها.
ولهذا لا تكاد تقرأ له كتابًا علميًّا حتى ترى الأديبَ حاضرًا فيه، يظهر في حسن اختيار العنوان، وفي بناء الفقرة، وفي الاقتصاد في العبارة حينًا، وفي انطلاقها حينًا آخر، وفي الصورة البلاغية التي تأتي في موضعها من غير تكلف؛ فهو يبرهن بعقل العالم، لكنه لا يسمح للبرهان أن يجف، ويكتب بروح الأديب، لكنه لا يترك الأدب يطغى على الفكرة.
ولم يكن الشعر عنده لونًا من الترف الوجداني، بل كان امتدادًا لطريقته في رؤية العالم؛ ولذلك ظل الحس الشعري حاضرًا في أكثر كتاباته، حتى تلك التي تعالج قضايا فكرية أو عقدية؛ لأن الشاعر فيه لم يكن منفصلًا عن العالم، بل كان يمنحه لغة أوسع، وصورة أجمل، وقدرة أكبر على النفاذ إلى النفس الإنسانية.
الفن.. بُعدٌ أصيل في بناء الإنسان
وإذا كان الأدب يمثل الوجه الجمالي للكلمة، فإن الفن عند عبد السلام البسيوني يمثل بعدًا أعمق من مجرد التذوق أو الإعجاب؛ فهو من القلائل الذين نظروا إلى الفن الإسلامي بوصفه مكونًا من مكونات الحضارة الإسلامية، ولسانًا من ألسنة رسالتها، لا مجرد زخرفة تزين المباني أو المخطوطات؛ ولهذا انصرف إلى دراسة العمارة الإسلامية، والخط العربي، والزخرفة، والآثار، والفنون العثمانية والتركية، وقرأها قراءة العالم كما قرأها قراءة الفنان، فكان يقف عند المسجد، أو المدرسة، أو النقش، أو اللوحة، حتى المقابر، كما يقف المؤرخ أمام وثيقة، يستخرج منها دلالات فكرية وروحية وحضارية.
وقد لمست هذا الجانب فيه مرارًا في أسفارنا ولقاءاتنا؛ فكان يرى فيما يمر عليه الناس مرور العابرين عالمًا كاملًا من المعاني، ولم يكن يكتفي بوصف الجمال، بل كان يفسره، ويكشف صلته بالعقيدة، وبالتاريخ، وبالرؤية الإسلامية للكون والإنسان.
ومن هنا لم يكن غريبًا أن يحمل باقتدار فكرة الكتابة في حاجة طالب العلم الشرعي إلى الفن والجمال، وأن يحولها من فكرة محدودة إلى عمل علمي واسع؛ لأنه كان يكتب في ميدان عاشه، لا في موضوع طارئ عليه.
الإعلام وصناعة الوعي
وكما وجد في الفن طريقًا إلى تهذيب الذوق، وجد في الإعلام وسيلة لصناعة الوعي؛ فلم يدخل الصحافة باعتبارها وظيفة، وإنما دخلها بوصفها امتدادًا طبيعيًّا للدعوة؛ ولذلك لم يكن مقاله الصحفي أسير المناسبة، بل كان كثيرًا ما يتجاوز الحدث إلى ما وراءه، فيربطه بالسياق الحضاري، ويقرأه في ضوء حركة الأمة، ويستخرج منه ما يعين على فهم الواقع لا مجرد وصفه.
وكانت تجربته في مجلة الأمة بالدوحة من أبرز المحطات التي تجلت فيها هذه الرؤية؛ إذ التقى هناك نخبة من كبار العلماء والمفكرين، وعاش تجربة جعلت الكلمة جزءًا من مشروع النهضة، لا مجرد صناعة إعلامية، وهناك ازداد اقتناعًا بأن العالم المعاصر لا يكفيه أن يكتب الكتب، بل يحتاج أيضًا إلى أن يُحسن مخاطبة الناس بلغتهم، وأن يحمل إليهم الفكرة في صورة تصل إلى عقولهم وقلوبهم معًا.
وحدة الرؤية وراء تنوع الوسائل
وهكذا، كلما ازداد القارئ اقترابًا من مشروع عبد السلام البسيوني، ازداد يقينًا بأن هذا التنوع ليس تفرقًا، وإنما هو وحدة في صورة تعدد؛ فالعقيدة عنده تتصل بالحضارة، والحضارة تتصل بالفن، والفن يتصل بالتربية، والتربية تتصل بالأدب، والأدب يتصل بالإعلام، والإعلام يتصل بالدعوة؛ لأن الجميع يصدر عن رؤية واحدة، ترى الإسلام مشروعًا لبناء الإنسان كله، لا جانبًا من جوانب حياته.
ولهذا يصعب أن نصفه بأنه عالم كتب الشعر، أو شاعر كتب في الدعوة، أو أديب اشتغل بالفكر؛ لأن هذه الأوصاف جميعًا تفكك ما جمعه هو في شخصيته، والأدق أن يقال: إنه صاحب مشروع ثقافي إسلامي متكامل، تعددت لغاته، وتنوعت أدواته، وبقي مقصده واحدًا؛ أن يعيد إلى الإنسانُ المسلم انسجامَه الداخليَّ، وأن يُعيد إلى الخطاب الإسلامي جمالَه، كما يُعيد إليه عمقَه وفاعليته.
الإنسان قبل المؤلفات.. الوجه الذي لا تكشفه الكتب
على كثرة ما كتب عبد السلام البسيوني، فإن كتبه لا تستنفد صورته، ولا تكشف عن جميع ملامح شخصيته؛ فالكتاب -مهما بلغ صاحبه من الصدق- يظل نافذة واحدة يطل منها الإنسان على قارئه، أما الحياة اليومية، ومجالس الأنس، واللقاءات العابرة، والأسفار المشتركة، فهي التي تتيح رؤية الجوانب التي لا يسعها الورق، ولا تحفظها الفهارس.
ومن عرف البسيوني عن قرب يدرك سريعًا أن تواضعه يسبق علمَه إلى القلوب، وأن بشاشته تفتح من أبواب المودة ما قد تعجز عنه عشرات الصفحات، فلا يلقاك بعالم يستعرض محفوظاته، ولا بكاتب يفاخر بإنتاجه، وإنما بإنسان يأنس بالناس، ويأنسون به، يُصغي أكثر مما يتكلم، ويُحسن السؤال كما يُحسن الجواب، ويجعل جلساءه يشعرون أنهم شركاء في الحديث لا مجرد مستمعين إليه.
وهذه الإنسانية العميقة هي التي جعلت علمه قريبًا من النفوس؛ إذ لم يكن يحمل المعرفة بوصفها وسيلة للتفوق على الآخرين، وإنما كان يحملها بوصفها خدمة لهم، وإسهامًا في إضاءة الطريق أمامهم؛ ولذلك لا تكاد ترى في حديثه تكلف العالم، ولا صرامة الأستاذ، بل تجد رقة الأخ، ودفء الصديق، وسمت المربي، ومرح الجليس، وودادة الرفيق.
جمال الروح.. قبل جمال العبارة
وليس من قبيل المصادفة أن يكثر حديث عبد السلام البسيوني عن الفن والجمال؛ فإن الإنسان لا يستطيع أن يكتب في الجمال هذا العمر كله إذا لم يكن الجمال قد استقر أولًا في نفسه؛ ولذلك فإن حسه الجمالي لا يظهر في كتبه وحدها، بل في طريقته في النظر إلى الأشياء، وفي اختياره للألفاظ، وفي اهتمامه بالخط العربي، والعمارة الإسلامية، والزخرفة، واللوحة، والمشهد الطبيعي، والمدينة القديمة، والقطعة الأثرية.
كان يرى أن الجمال ليس أمرًا ثانويًّا في الحضارة الإسلامية، بل هو شاهد على صحة الفكرة، وأثر من آثار الإيمان حين يستقر في القلب، فيفيض على العمران، وعلى اللغة، وعلى السلوك، ومن هنا لم يكن حديثه عن الفن دعوة إلى ترف ثقافي، وإنما كان دفاعًا عن بعدٍ غاب طويلًا عن كثير من الخطاب الإسلامي، حتى خُيِّل لبعض الناس أن الجمال قضية هامشية، مع أنه في التصور الإسلامي قرين الإحسان، وصنو الإتقان، وأحد الوجوه التي تتجلى فيها نعمةُ الله على عباده.
بين الشاعر والداعية
ومن أجمل ما يميز عبد السلام البسيوني أنه لم يجعل الشاعر فيه ينافس الداعية، ولا الداعية يقيد الشاعر، فكثيرًا ما يقع أصحاب الرسالات في المباشرة، فيفقد الأدبُ جماله، ويقع بعض الأدباء في الغموض، فتضيع الرسالة في زحام الصور، أما حبيبُنا البسيوني فقد استطاع أن يقيم بين الطرفين صلحًا دائمًا؛ فبقي الشعر شعرًا، وبقيت الدعوة دعوة.
ولعل دواوينه الشعرية – “صلاة قلب”، “زهرة”، “يا سادتي”، وغيرها من الدواوين، وأكثر من خمس وعشرين قصيدة خاصة – خير شاهد على ذلك؛ فهي لا تقدم خطابة منظومة، ولا تعظ القارئ في ثوب القصيدة، وإنما تعبر عن إنسان عاش قضايا أمته، وأحب دينه، وتأمل الحياة، وذاق الغربة، وتألم لما آلت إليه أحوال المسلمين، فجاء شعره امتدادًا طبيعيًّا لسيرته الفكرية، لا قطيعة معها.
ولهذا لم يكن غريبًا أن تتسرب روح الشاعر إلى مقالاته، وأن تتسرب روحُ العالم إلى قصائده، حتى أصبح من العسير أن تفصل بين الرجلين؛ لأن كليهما يصدر عن قلب واحد، ورؤية واحدة.
أثر لا يقف عند حدود التأليف
ومن الظلم أن يُقاس عبد السلام البسيوني بعدد كتبه التي قاربت الـ 350، أو بعدد المقالات التي كتبها، وهي بالمئات، أو بعدد القصائد التي نظمها؛ فإن أثره الحقيقي لا يقف عند حدود التأليف، وإنما يمتد إلى العقول التي أسهم في تشكيلها، والأذواق التي أسهم في تهذيبها، والقراء الذين فتح لهم آفاقًا جديدة للنظر في الإسلام، لا بوصفه أحكامًا فحسب، وإنما بوصفه حضارة، وجمالًا، ورسالةً، وبناءً متكاملًا للإنسان.
وكم من فكرة بثها في مقال، أو لفتة أثارها في محاضرة، أو معنى أشار إليه في مجلس، كان أثره أبقى من صفحات كثيرة، وهذه من خصائص الشخصيات التي لا تحصر رسالتها في الكتب، بل تجعل حياتها نفسها جزءًا من خطابها.
عبدالسلام البسيوني… مدرسة لا سيرة
ولعل أكثر ما انتهيت إليه بعد صحبة امتدت قرابة عقدين، وقراءة طويلة لآثاره، أن عبد السلام البسيوني لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه صاحب مؤلفات متفرقة، ولا بوصفه عالمًا جمع إلى العلم شيئًا من الأدب، وإنما ينبغي أن يُقرأ بوصفه مدرسة.
ومعنى المدرسة هنا أنه يقدم نموذجًا للعالم المسلم الذي لا تضيق به التخصصات، ولا تنغلق أمامه آفاق المعرفة، ولا يخشى أن يجاور الفقهُ الشعرَ، أو أن يلتقي الفن بالدعوة، أو أن يتساند الإعلام مع التربية، أو أن يخدم الأدبُ العقيدةَ من غير أن يفقد استقلاله الفني.
لقد أدرك أن الرسالة الإسلامية لا تبلغ كمالها إذا خاطبت العقل وحده، ولا إذا استولت على القلب وحده، وإنما تبلغ غايتها حين تخاطب الإنسان كله؛ فكرًا، وروحًا، وذوقًا، وخيالًا، ووجدانًا، وسلوكًا، ومن هنا جاءت تجربته صورة عملية لهذا الفهم الشامل، قبل أن تكون تنظيرًا له.
وحين يطوي الباحث صفحات هذه السيرة، لا يخرج منها بصورة عالم ألف كتبًا كثيرة، ولا بصورة أديب جمع بين الشعر والمقالة والأدب الساخر، ولا بصورة داعية مارس الإعلام والعمل الثقافي؛ بل يخرج بصورة إنسان آمن بأن الإسلام رسالةُ حياة، وأن هذه الحياة لا تُبنى بالعلم المجرد، كما لا تُبنى بالجمال المجرد، وإنما تقوم على التقاء الحقيقة بالجمال، والعقل بالإيمان، والتراث بالإبداع، والأصالة بالتجديد.
ولعل هذه هي الرسالة الأعمق التي يمثلها عبد السلام البسيوني في زمن كثرت فيه التخصصات الضيقة، وتباعدت فيه العلوم، وانفصلت فيه المعرفة عن الذوق، والدعوة عن الفن، والحق عن الجمال؛ فقد ظل – عبر مسيرته العلمية والأدبية – يذكرنا بأن الإسلام لا يعرف هذه القطيعة، وأن الحضارة الإسلامية في أزهى عصورها لم تُخرج فقهاء مجردين من الحس، ولا أدباء منفصلين عن القيم، بل أخرجت الإنسان الكامل بقدر الطاقة البشرية، الذي تتآلف في شخصيته ملكاتُ العقل والروح، والقلم والضمير، والعلم والجمال.
وإذا كان من حق عبد السلام البسيوني علينا أن نشكر له كتبه، فإن من حقه كذلك أن نشكر له المثال الذي قدمه؛ مثال العالم الذي ظل يتعلم، والأديب الذي ظل يتذوق، والداعية الذي ظل يحمل هم أمته، والإنسان الذي لم تسمح له كثرةُ عطائه أن يفقد تواضعَه، ولا كثرةُ علمه أن يفقد دهشته بالحياة.
إن عبد السلام البسيوني لم يكن يريد أن يصنع نسخة جديدة من أحد، بل كان يريد أن يصنع العالم المسلم المتكامل؛ عالمًا يبدأ من عيون التراث، ثم ينفتح بثقة على آداب العصر، وإعلامه، وفنونه، وتجارب الإنسانية، من غير أن يفقد بوصلته، أو يذوب في غيره.
وهكذا، كلما تأملت سيرة عبد السلام البسيوني ازددت يقينًا أن سرَّ تميزه لم يكن في كثرة ما قرأ، ولا في كثرة ما كتب، ولا في كثرة من لقي من العلماء، وإنما في قدرته على أن يحوِّل ذلك كله إلى شخصية مستقلة، لا تُشبه إلا نفسها، ومن هنا استحق أن يكون واحدًا من أولئك الذين لا يضيفون كتابًا جديدًا إلى المكتبة فحسب، بل يضيفون نموذجًا جديدًا للعالم؛ عالمٍ راسخ القدم في التراث، واسع النظر في العصر، جميل الذوق، رحب الأفق، مؤمنٍ بأن الإسلام لا يبني العقول وحدها، بل يبني الإنسان ويعْمُرُ الحياةَ جميعًا.
https://mugtama.com/a/azwgKYMz :إقرأ المزيد




