اجتماعيةثقافة ومجتمععامقضايامقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

حين يتحول الفساد إلى ثقافة عامة: عندما يتقدم الفاسد ويتراجع الأمين

فرج كندي

ليس أخطر على المجتمعات من وجود الفساد فيها، إلا أن يتحول الفساد من ممارسة منحرفة إلى ثقافة عامة، ومن سلوك يستوجب الإدانة والعقوبة إلى أمر مألوف يجري التعامل معه باعتباره جزءاً من طبيعة الحياة. ففي المجتمعات التي يستفحل فيها الفساد لا يعود السؤال: من الفاسد؟ وإنما يصبح السؤال الأكثر خطورة: كيف أصبح الفساد مقبولاً، وأصبح الفاسد موضع تقدير وتقديم وتمكين؟

عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، فإننا لا نكون أمام حالات فردية من الرشوة أو المحسوبية أو استغلال النفوذ أو الاختلاس، وإنما أمام اختلال في منظومة القيم والمعايير؛ إذ يصبح النجاح مرتبطاً بمدى قدرة الإنسان على الالتفاف على القانون، والحصول على المنافع بغير استحقاق، والوصول إلى المواقع عن طريق العلاقات والنفوذ، لا عن طريق الكفاءة والأمانة والاستحقاق.

وهنا تكمن الكارثة الحقيقية.

فالفساد في بدايته فعلٌ يقوم به فرد أو مجموعة، لكنه حين يتكرر دون محاسبة، ويُكافأ صاحبه بدلاً من معاقبته، ويتقدم الفاسد على الأمين، ويتولى غير الكفء المواقع التي تحتاج إلى الخبرة والدقة والنزاهة، يتحول الفساد تدريجياً إلى نظام اجتماعي وثقافة سائدة.

عندما يصبح الفاسد نموذجاً للنجاح

من أخطر مظاهر فساد المجتمعات أن تنقلب المعايير: يصبح الأمين ساذجاً، والنزيه عاجزاً عن إدارة مصالحه، وصاحب المبدأ شخصاً لا يعرف كيف “يدبر أموره”، بينما يصبح الفاسد ذكياً وناجحاً وقادراً على الوصول إلى ما يريد.

وهذه ليست مجرد مشكلة أخلاقية؛ إنها عملية إعادة إنتاج للفساد.

فإذا رأى الموظف أن من يلتزم بالقانون لا يُقدَّر، بينما يحصل المتجاوز على الامتيازات والمناصب، وإذا رأى الشاب أن طريق التقدم لا يمر عبر العلم والكفاءة وإنما عبر الوساطة والانتماء والعلاقات، فإن الرسالة التي يتلقاها المجتمع واضحة: لا تكن أميناً أكثر مما ينبغي، ولا تكن ملتزماً أكثر من اللازم، لأن الذين يحصدون النتائج هم أولئك الذين يجيدون استثمار الفوضى.

وحين تصبح هذه الرسالة متكررة، تبدأ الأجيال الجديدة في تعلم الفساد قبل أن تتعلم مقاومته.

موقف الشريعة: الفساد ليس مخالفة عابرة

جاء التصور الإسلامي للفساد على أساس أنه اعتداء على مصالح الناس وإفساد لنظام الحياة وإخلال بالأمانة التي حملها الإنسان.

قال تعالى: ﴿وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77]، وقال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205].

واللافت في التعبير القرآني أنه لا يتعامل مع الفساد باعتباره مجرد مخالفة قانونية، بل يربطه بالإفساد في الأرض، وبإفساد العمران والعلاقات والمصالح والأخلاق.

ومن هنا تصبح الأمانة ليست فضيلة شخصية فحسب، وإنما قاعدة لإدارة الشأن العام. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ [النساء: 58].

وهذه الآية تؤسس لمبدأ بالغ الأهمية في إدارة الدولة والمجتمع: الموقع العام أمانة، وليس غنيمة، والوظيفة مسؤولية، وليست مكافأة، والسلطة تكليف، وليست امتيازاً شخصياً.

ولهذا فإن تمكين شخص غير أمين أو غير كفء من موقع يحتاج إلى الدقة والنزاهة والحرص ليس مجرد خطأ إداري، وإنما قد يتحول إلى صورة من صور الإفساد؛ لأن وضع الأمانة في غير أهلها يؤدي بالضرورة إلى ضياع الحقوق وتعطيل المصالح.

وقد حذر النبي ﷺ من إسناد الأمر إلى غير أهله بقوله: «إذا وُسِّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة»، في إشارة عميقة إلى خطورة انهيار معيار الكفاءة والأمانة في إدارة شؤون الناس.

المشكلة ليست في الفاسد وحده

ليس الفاسد وحده هو المسؤول عن انتشار الفساد؛ فهناك أيضاً من يمكّنه، ويغطي عليه، ويمنحه الموقع، ويصمت عن فساده، ويستفيد من وجوده.

فالفساد لا يعيش منفرداً، وإنما يحتاج إلى بيئة تحميه، ومؤسسات تتسامح معه، وأشخاص يبررونه، ونظام إداري لا يحاسب عليه.

ولهذا فإن مواجهة الفساد لا تكون بإدانة الفاسدين في الخطاب العام فقط، وإنما تبدأ من تجفيف البيئة التي تنتجهم وتعيد تدويرهم.

إن أخطر لحظة على المؤسسة هي عندما يصبح اختيار المسؤول قائماً على الولاء بدلاً من الكفاءة، وعلى القرب بدلاً من الاستحقاق، وعلى القدرة على خدمة أصحاب النفوذ بدلاً من القدرة على خدمة المصلحة العامة.

ماذا يحدث عندما يقود المفسدون المجتمع؟

المجتمعات التي يسود فيها الفساد لا تدفع ثمنه المالي فقط؛ وإنما تدفع ثمناً أخلاقياً واجتماعياً وحضارياً.

فالفساد يقتل الثقة، ويضعف القانون، ويهدم قيمة العمل، ويشجع الكفاءات على الانسحاب أو الهجرة، ويخلق شعوراً عاماً بالظلم، ويجعل المواطن يفقد ثقته في مؤسسات الدولة.

والأخطر من ذلك أن الفساد عندما يصبح ثقافة فإنه يفسد حتى مقاومة الفساد؛ لأن الناس يبدأون في التعايش معه باعتباره أمراً لا يمكن تغييره.

وهنا تتحول الدولة من مؤسسة لخدمة المجتمع إلى شبكة من المصالح، ويتحول الموقع العام إلى وسيلة للنفوذ، ويتحول القانون إلى أداة تُطبق على الضعفاء وتتوقف أمام أصحاب القوة.

إن المجتمع الذي يتقدم فيه الفاسدون ويتراجع فيه الأمناء لا يمكن أن يبني دولة مستقرة، لأن الدول لا تُبنى بالثروة وحدها، ولا بالقوانين وحدها، وإنما تُبنى قبل ذلك بالثقة والأمانة والعدل والكفاءة.

ولهذا فإن المعركة ضد الفساد ليست معركة أجهزة رقابية فقط، وإنما هي معركة على القيم والمعايير والوعي العام.

فحين يصبح الأمين هو الذي يُقدَّم، والكفء هو الذي يُمكَّن، والمفسد هو الذي يُحاسب، يبدأ المجتمع في استعادة عافيته.

أما حين يحدث العكس، وحين يصبح الفساد طريقاً للصعود، والفاسد نموذجاً يحتذى، والمفسد صاحب نفوذ وتقدير، فإن المشكلة لم تعد في فساد بعض الأفراد؛ بل أصبح الفساد نفسه هو النظام الذي يعيد إنتاج المجتمع، ويحدد من يتقدم فيه ومن يتراجع.

Related Articles

Back to top button