عاممقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

“الإيمان بالله” بين التأسيس القرآني والبناء الحضاري: قراءة تحليلية في كتاب الشيخ علي محمد الصلابي

بقلم: د. طالب عبد الجبار الدغيم

 يُعدُّ الإيمان بالله تعالى حجر الزاوية في البناء العَقَدي الإسلامي، والأساس الذي تتفرع عنه سائر منظومات الفكر والسلوك والحضارة في الإسلام. وإن الإيمان بالله هو حقيقة وجودية تتغلغل في أعماق النفس، وتوجّه حركة الإنسان في الكون، وتحدّد علاقته بذاته وبالآخرين وبالعالم من حوله. وبناء على ذلك، يأتي كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» للدكتور علي محمد الصلابي بوصفه محاولة علمية وتربوية لإعادة مركزية التوحيد في وعي الإنسان المعاصر، وربط العقيدة بالواقع، والنص بالكون، والإيمان بالتاريخ.

يستند المؤلف إلى رؤية شمولية تجعل الإيمان بالله محوراً لفهم الكون والحياة، مستنداً إلى نصوص الوحي، ومستفيداً من خبرته في قراءة التاريخ وسنن الأمم، ليقدّم خطاباً يجمع بين البرهان العقلي، والتأثير الوجداني، والتأصيل الشرعي .وينطلق هذا العمل من إدراكٍ عميقٍ بأنّ أزمة الإنسان المعاصر ليست في غياب الأدلة على وجود الله، بقدر ما هي في ضعف حضور الله في الوعي والسلوك؛ فالأدلة قائمة في الفطرة، وشاهدة في الكون، وماثلة في النفس، وناطقة في التاريخ، ومؤكّدة في الوحي، ولكن الإشكال يكمن في غفلة القلوب، وتشوش البصائر، وانصراف الإنسان عن التأمل في هذه الآيات. ومن هنا جاء خطاب الكتاب جامعاً بين إيقاظ الفطرة، وتنشيط العقل، وتوجيه القلب، في انسجامٍ مع المنهج القرآني الذي لا يفصل بين المعرفة والإيمان، ولا بين الدليل والتزكية. قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ (فصلت: 53). وقال سبحانه: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (إبراهيم: 10).

إنّ هذه القراءة تسعى إلى الوقوف على البنية العلمية والفكرية لهذا الكتاب، وذلك من خلال تحليل تقسيماته، واستجلاء منهجه، وإبراز أهم أفكاره، وبيان قيمته في سياق الدراسات العقائدية المعاصرة، مع ربط ذلك بالنصوص القرآنية والنبوية وأقوال العلماء والمفسرين والمصلحين التي تشكّل الأساس الذي انطلق منه المؤلف، واستند إليه في بناء رؤيته في تأليف الكتاب.

أفكار ومحاور الكتاب …

يُعدّ كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي جزءاً من سلسلة أركان الإيمان الستة، وهو الكتاب الأول فيها، بما يمنحه موقعاً تأسيسيّاً يُمهد لبقية مباحث العقيدة، ويضع القارئ على عتبة البناء الإيماني المتكامل. ويمكن تناول تقسيمات كتاب «الإيمان بالله» في إطارٍ سرديٍّ متماسك يكشف عن عمق البناء الداخلي للعمل، لا بوصفه مجرد ترتيب شكلي للأبواب، بل باعتباره مساراً معرفيّاً متدرّجاً يقود القارئ من الإدراك الأولي إلى النضج الإيماني الكامل. فالكتاب، كما يظهر من بنيته، لا يتقدّم بطريقةٍ عشوائية، بل يتحرك وفق منطق تصاعديّ واضح يبدأ بالتأسيس، وينتهي بالامتداد الحضاري، وهو ما يؤكده التحليل المنهجي الوارد في النص المرفق .

وفي مستهل هذا الكتاب، يبدأ المؤلف بما يمكن تسميته المدخل إلى الإيمان بالله، حيث يضع الأساس المفاهيمي الذي يقوم عليه كل ما بعده. فلا يكتفي بتعريف الإيمان تعريفاً اصطلاحياً، بل يربطه بالفطرة والعقل والوحي، ليجعل منه حقيقة قريبة من النفس قبل أن تكون قضية تحتاج إلى إثبات. وهذا المدخل يؤدي وظيفة حاسمة؛ إذ إن أي خلل في فهم الإيمان من بدايته سينعكس على بقية البناء، ولذلك يحرص المؤلف على ترسيخ الإيمان بوصفه استجابةً داخليةً لما هو مغروس في الفطرة، لا مجرد نتيجة لجدل نظري.

ومن هذا التأسيس، ينتقل الكتاب إلى توحيد الربوبية، حيث تتسع دائرة النظر لتشمل الكون كله، فيُعرض النظام الكوني بما فيه من إحكام وتناسق بوصفه دليلاً على وحدانية الخالق. وهنا يخاطب المؤلف العقل والفطرة معاً، فيجعل من الكون كتاباً مفتوحاً يقود إلى معرفة الله. وعند هذه النقطة، يبلغ الكتاب ذروته مع توحيد الألوهية، حيث يتحول الإيمان من مجرد إدراكٍ عقلي إلى التزامٍ وجودي. فالتوحيد هنا يُفهم باعتباره حياة قائمة على العبودية الخالصة لله، بما تتضمنه من محبة وخضوع وانقياد. وهذا التحول من المعرفة إلى الالتزام يمثل جوهر البناء كله، إذ ينقل القارئ من التأمل النظري إلى اتخاذ موقف عملي في حياته.

ثم يتعمق هذا المسار أكثر من خلال باب الأسماء والصفات، حيث ينتقل الإيمان إلى مستوى أدقّ وأعمق، يتمثل في معرفة الله من خلال أسمائه الحسنى وصفاته العليا. وهنا تتحول العقيدة إلى علاقة حيّة بين العبد وربه، تتشكل فيها مشاعر الرجاء والخوف والطمأنينة، فمعرفة الله في هذا المستوى تعني إدراك حضوره في تفاصيل الحياة.

وبعد هذا التعميق، يأتي دور دلائل الإيمان بالله، حيث يعيد المؤلف بناء البرهان في صورة شاملة تجمع بين الفطرة والعقل والكون والتاريخ. فلا يعتمد على نوعٍ واحد من الأدلة، بل ينسج منها منظومة متكاملة تجعل الإيمان حقيقةً راسخة يصعب زعزعتها. وهنا يتحول الإيمان من احتمالٍ إلى يقين، ومن فكرة إلى قناعة عميقة. ولكن هذا اليقين ينتقل إلى الواقع من خلال آثار الإيمان بالله، حيث يبيّن المؤلف كيف تنعكس العقيدة على السلوك، فتثمر الطمأنينة والصبر والتوكل والثبات. وفي هذا القسم يظهر الاختبار الحقيقي للإيمان، إذ يتجلى في حياة الإنسان اليومية، لا في أقواله فقط.

وحتى يكتمل البناء، يخصّص المؤلف قسماً لـ الانحرافات العقدية، يعرض فيه مظاهر الشرك والإلحاد والاضطراب الفكري، ليحمي الإيمان الذي بناه من عوامل التآكل والانحراف. وهذا البعد الوقائي ضروري، خصوصًا في العصر الحديث الذي تتكاثر فيه الشبهات وتتعدد مصادر التأثير.

وأخيراً، ينفتح الكتاب على أفقٍ أوسع من خلال ربط الإيمان بسنن التاريخ، حيث يتجاوز الإطار الفردي ليطرح رؤية حضارية تجعل من التوحيد عاملًا حاسمًا في قيام الأمم وسقوطها. فالإيمان بالله هو قانونٍ يفسّر حركة المجتمعات، ويحدد مسار الحضارات.

ومن خلال هذا التدرّج، يمكن تلخيص بنية الكتاب في مسارٍ متكامل يبدأ بتعريف الإيمان، ثم إثبات الربوبية، فترسيخ الألوهية، ثم تعميق المعرفة بالأسماء والصفات، فبناء الأدلة، ثم ترجمة ذلك إلى سلوك، فحماية هذا البناء من الانحراف، وأخيرًا توسيعه ليشمل فهم التاريخ. وهذا الترتيب يكشف عن رؤية متكاملة تجعل الإيمان بالله عملية بناء متدرّجة تبدأ من الوعي وتنتهي بالحضارة، وهو ما يمنح الكتاب قوته وخصوصيته في سياق الكتابة العقدية المعاصرة.

المنهج العلمي في الكتاب

يقوم كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» للدكتور علي محمد الصلابي على منهج علميّ مركّب لا يكتفي بمسار واحد في تناول قضية الإيمان، وإنما ينسج من عدة مسارات متكاملة بناء معرفيّاً حيّاً. فالأصل الذي ينطلق منه هذا البناء هو المنهج النصي؛ إذ يجعل القرآن الكريم والسنة النبوية المصدر الأعلى والمرجع الحاكم في تقرير حقائق الإيمان، فلا يقدّم فكرة إلا وقد أسندها إلى الوحي، ولا يفسّر ظاهرة إلا في ضوء الهداية الربانية. غير أنّ هذا الارتكاز على النص لا يأتي في صورة نقل جامد، بل يتجاوز ذلك إلى استنطاق النصوص واستحضار مقاصدها، وربطها بحياة الإنسان.

ووفق هذا الأساس النصي، ينتقل الكتاب إلى المنهج الاستدلالي، حيث يُفعّل العقل والفطرة، ويستثمر آيات الكون، ليجعل الإيمان بالله حقيقةً يشهد لها الوجود كلّه. فالعقل هنا ليس في مواجهة النص، بل في خدمته، والفطرة ليست بديلاً عن الوحي، بل مؤيدة له، والكون ليس مجرد مشهدٍ خارجي، بل دليلٌ مفتوح يوجّه الإنسان إلى خالقه. وهكذا تتكامل الأدلة: نصٌّ يُرشد، وعقلٌ يتأمل، وفطرةٌ تستجيب.

غير أنّ المؤلف لا يقف عند حدود البرهان، بل يتجاوز إلى المنهج التربوي، حيث تتحوّل المعرفة من معلوماتٍ تُدرك إلى معانٍ تُعاش. فالإيمان في هذا الكتاب ليس نتيجة استدلالٍ فحسب، بل هو حالةٌ قلبية تتجذّر في النفس، وتنعكس على السلوك، وتظهر في مواقف الحياة. ومن هنا، فإن كل فكرةٍ عقدية تُقدَّم في سياقٍ يُقصد به إحياء القلب، وتعميق الصلة بالله، لا مجرد إقناع العقل.

ثم يتسع الأفق ليشمل المنهج الحضاري، وهو من أبرز ما يميز هذا العمل؛ إذ يربط المؤلف بين العقيدة وسنن الله في التاريخ، ويجعل من الإيمان بالله مفتاحًا لفهم حركة الأمم، وقيام الحضارات وسقوطها. فالتوحيد لا يُطرح هنا كقضية فردية معزولة، بل كقوةٍ فاعلة في تشكيل الواقع، وقانونٍ يفسّر التحولات الكبرى في حياة البشر.

ومن خلال هذا التداخل بين النص والاستدلال، وبين التربية والحضارة، يكتسب كتاب الشيخ علي محمد الصلابي طابعه الخاص، حيث لا يعود الإيمان بالله مجرد أفكارة نظرية، وإنما تغدو رؤية شاملة تجمع بين العقيدة والتاريخ والتزكية، وتقدّم نموذجاً متكاملاً للمعرفة التي تبني الإنسان في داخله، وتوجّهه في واقعه، وتفسّر له مسار العالم من حوله.

قراءة تحليلية في كتاب “الإيمان بالله” للدكتور علي الصلابي …

إنّ التأمل في بنية هذا الكتاب يكشف عن رؤية رسالية متكاملة لا تقتصر على تقرير العقيدة، وإنما تسعى إلى إعادة بناء الإنسان من الداخل؛ إذ يربط بين التوحيد والعبودية، وبين الإيمان والسلوك، وبين معرفة الله وحركة التاريخ. فهو لا يعرض توحيد الربوبية بوصفه قضيةً عقلية جامدة، وإنما يربطه بالنظام الكوني وإحكامه، ولا يتناول توحيد الألوهية في إطارٍ منفصل، وإنما يجعله أساساً لتحرير الإنسان من كل أشكال العبودية لغير الله، ولا يتناول أسماء الله وصفاته بوصفها معلوماتٍ للحفظ، وإنما يجعلها مفاتيح لبناء العلاقة الروحية والوجدانية الصادقة مع الله. وكما يتجلّى في هذا العمل بعد حضاريّ عميق؛ حيث ينظر المؤلف إلى الإيمان بالله باعتباره العامل الحاسم في قيام الأمم وسقوطها، وفي عزّها وذلّها، مستحضراً سنن الله التي لا تتخلف، والتي تربط بين الإيمان والعمل، وبين العقيدة والواقع.

يقدم الشيخ الدكتور علي الصلابي كتابه في هيئة بناء معرفيّ وروحيّ وحضاريّ متكامل، يبدأ من الإنسان في فطرته، ويمرّ بالعقل في استدلاله، ثم ينتهي إلى الوحي في هدايته وتكميله. وهذه النقطة هي المفتاح الأول لفهم الكتاب؛ لأنه لا ينطلق من افتراض أن الإنسان صفحة خالية لا تعرف ربها، وإنما من أن في النفس أصلاً يشهد لله، غير أن هذا الأصل قد يضعف أو يختلط أو ينحرف، فيأتي العقل ليؤيد، والوحي ليهدي ويصحح. وهذا في ذاته يمنح الكتاب عمقاً منهجيّاً؛ لأنه يحرّر مسألة الإيمان من الاختزال، فلا يحصرها في البرهنة العقلية وحدها، ولا في الخطاب الوجداني وحده، ولكنه يربطها ببنية حياة الإنسان كلها.

ومن أبرز ما يميز هذا العمل أيضاً أنه لا يحصر دلائل الإيمان بالله في النصوص وحدها، مع أن النصوص هي الأصل، فهو يفتح باب الاستدلال على مصراعيه ليشمل الكون والنفس والتاريخ. وهذه نقطة بالغة الأهمية؛ لأنها تمنح الكتاب سعة في الرؤية، وتجعله قادراً على مخاطبة الإنسان في تعدد منافذ إدراكه. فالكون بما فيه من جمال ونظام يدل، والنفس بما أودع فيها من فطرة ووعي تشهد، والتاريخ بما يحمله من قوانين وسنن يبرهن. وهنا تظهر بوضوح خبرة المؤلف التاريخية؛ لأنه لا يعامل التاريخ بوصفه نقلاً وسرداً للحوادث، وإنما بوصفه ميداناً لظهور السنن الإلهية. فقيام الحضارات وسقوطها، وعزّ الأمم وانكسارها على ارتباط وثيق بدرجة التزامها بمنهج الله أو انحرافها عنه. وهذه الإضافة تمنح الكتاب خصوصية واضحة؛ لأنه يوسّع باب الاستدلال من المجال الفردي والنفسي إلى المجال الاجتماعي والحضاري.

ويزداد هذا المعنى وضوحاً حين يتناول المؤلف القرآن الكريم بوصفه المصدر الأعظم للإيمان بالله، فالقرآن في هذه القراءة ليس كتاب أحكام، ولا نصّاً يُتلى للتعبد فقط، وإنما هو في جوهره كتاب هداية وإحياء وتجديد. ومن هنا يرى المؤلف أن القرآن هو الوسيلة الأوسع أثراً في بعث الإيمان في النفس؛ لأنه يجمع بين مخاطبة العقل ومخاطبة القلب، وبين عرض الحجة وإيقاظ الوجدان، وبين عرض آيات الكون وآيات النفس وآيات التاريخ. وهذه النظرة تمنح الكتاب مركزه القرآني الواضح؛ إذ لا يجعل الإيمان بناءً فلسفيّاً مستقلاً عن الوحي، ويعتبر الوحي هو الذي يجمع شتات الأدلة ويضعها في نظام الهداية. فالقرآن لا يزوّد الإنسان بالمعلومات والمعرفة التاريخية والإيمانية فقط، بل هو يعيد ترتيب وعي الإنسان، وذوقه ونظرته إلى ذاته والعالم.

إن قوة الكتاب لا تكمن فقط في صحة موضوعه، وكثرة مصادره، وخصوصية أفكاره، وإنما في قدرته على جمع ما تفرّق في كثير من الكتابات: فهو يأخذ من العقيدة وضوحها، ومن التزكية عمقها، ومن الفكر الحضاري سعة أفقه، ثم يعيد صوغ هذه العناصر في بناء متكامل. ومن هنا تبرز أهمية كتاب الشيخ الصلابي في السياق المعاصر؛ لأنه يخاطب الإنسان الذي لم تعد تكفيه التعريفات الجامدة، ولا ترويه المواعظ المنفصلة عن البرهان، وإنما يحتاج إلى خطاب يعيد وصل قلبه بعقله، وعقله بوحي ربه، ووحي ربه بواقعه وتاريخه.

علاقة كتاب الإيمان بالله للشيخ الصلابي مع كتب العقيدة الإسلامية الأخرى

يمكن النظر إلى كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» للدكتور علي محمد الصلابي بوصفه حلقة وصل منهجية بين التراث العقدي الكلاسيكي والمدونات التربوية والدعوية المعاصرة؛ فهو يستمد أصوله من تقريرات كتب العقيدة عند أحمد بن تيمية في «متن العقيدة الواسطية» حيث تحرير توحيد الأسماء والصفات، ومن اختصار أبو جعفر الطحاوي في «العقيدة الطحاوية» حيث إجمال الأصول وتماسكها، كما يلتقي مع النفس التربوي في «إحياء علوم الدين» لـ أبو حامد الغزالي من حيث ربط العلم بالعمل وتزكية القلب، ومع النزعة الإيمانية الحركية في «في ظلال القرآن» لـ سيد قطب من حيث استحضار الكون والقرآن في بناء الشعور الإيماني. غير أنّ تميّزه يظهر في كونه يعيد تركيب هذه المسارات ضمن خطابٍ واحد يجمع البرهان العقدي، والتذوق الإيماني، والوعي السنني بالتاريخ؛ فلا يكتفي بتقرير التوحيد تعريفاً، بل ينقله إلى حيّز الفاعلية في النفس والمجتمع، ويقدّم الإيمان بالله بوصفه أصلًا مفسِّراً لحركة العمران وسنن النصر والهزيمة. ومن ثمّ تتجلّى أهميته في السياق المعاصر باعتباره جسراً يعيد القارئ من التجزئة إلى الكلّية: من معرفة ذهنية مقيدة إلى توحيد جامع يحرّر الإرادة، ويهذّب السلوك، ويمنح الكون معنى، ويُبرز عظمة الإسلام في شموليته؛ إذ يجعل من التوحيد مركزاً تنتظم حوله القيم والعلوم والتاريخ، ويحوّل العقيدة من مادة دراسية إلى قوة مشكّلة للإنسان والحضارة الإنسانية، وبذلك يسهم في تجديد حضور التوحيد في الوعي المعاصر بوصفه أساس الهداية وميزان الحق.

ومن هنا، يمكن القول إن كتاب «الإيمان بالله» للشيخ الصلابي لا ينتمي إلى نوع واحد من المنهج والتأليف، وإنما يتجاوز التصنيفات التقليدية؛ فهو ليس كتاب عقيدة بالمعنى المدرسي، ولا كتاب تزكية محض، ولا طرحاً فكرياً مجراً، وإنما هو بناء تركيبي يعيد جمع المسارات التي تفرّقت في التراث، ويقدّم الإيمان بوصفه علماً يرسّخ اليقين، وتجربة تحيي القلب، وسلوكاً يوجّه الحياة، وقانوناً يفسّر التاريخ، وأساساً تقوم عليه الحضارة. فالعلم بالله بداية الطريق، واليقين به ثباته، والعمل له غايته، ومن جمع ذلك أدرك حقيقة الإيمان في أوسع معانيه.

أثر كتاب الإيمان بالله للشيخ الدكتور علي محمد الصلابي

يمثّل كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» للدكتور علي محمد الصلابي خلاصة جهد علميّ تراكميّ امتدّ عبر سنوات من البحث والتأمل، حيث تداخلت فيه خبرته العميقة في علم التاريخ مع قراءته الواعية للسنن الإلهية الحاكمة لحركة الأمم، إلى جانب دراسته العقدية المؤصَّلة على نصوص الوحي ومنهج أهل العلم. وقد انعكس هذا الجهد في اتساع دائرة انتشار هذا الكتاب، حيث تُرجم إلى عدد من اللغات العالمية، مثل الإنجليزية، والتركية، والفارسية، والبنغالية، والإندونيسية، والبوسنية، والكردية، الأمر الذي يدل على قدرته على تجاوز الحواجز اللغوية والثقافية، والوصول إلى شرائح متنوعة من القرّاء داخل العالم الإسلامي وخارجه. وحسب عملنا الاستقصائي، نجد كيف أسهم الكتاب في ترسيخ مفاهيم التوحيد في البيئات التعليمية والفكرية، وفي الوقت ذاته أدّى دوراً دعوياً في إحياء الإيمان في نفوس القرّاء، وربطهم بالله تعالى.

ومن هنا، يمكن القول إن هذا الكتاب لم يبقَ حبيس الأطر الأكاديمية، بل تحوّل إلى أداةٍ معرفيةٍ ودعويةٍ في آنٍ واحد؛ يخاطب الباحث بعُمقه العلمي، ويصل إلى عامة الناس بلغته المؤثرة، ويقدّم نموذجاً جديداً وعصرياً للكتابة العقائدية التي تجمع بين الأصالة والانتشار، وبين التأصيل والتأثير.

 وفي ختام هذه القراءة، يتبيّن أن كتاب «الإيمان بالله جلّ جلاله» هو محاولة جادّة لإحياء جوهر الإيمان في زمن تتكاثر فيه الشبهات، وتتنازع فيه المرجعيات، وتغيب فيه كثيرٌ من المعاني العميقة التي كانت تُشكّل روح التدين الأصيل. حيث يسعى هذا الكتاب إلى إعادة ترتيب الأولويات، بوضع الإيمان بالله في مركز الاهتمام. وقد نجح المؤلف في تقديم رؤيةٍ متوازنة تجمع بين العقل والنقل، وبين التأمل الكوني والنص الشرعي. وهو بذلك يشكّل الأساس لأي مشروع إصلاحي حقيقي، إذ لا يمكن أن تقوم حضارة مستقرة، ولا أن يستقيم سلوك إنساني، ولا أن تتحقق عدالة أو رحمة، دون أن يكون الإيمان بالله حاضراً في الوعي، فاعلاً في الضمير، موجّهاً للسلوك والحركة الإنسانية. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ ۝ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (آل عمران: 190-191). وقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ (فاطر: 15).

لتحميل كتاب الإيمان بالله (جل جلاله)  من الموقع الرسمي للدكتور علي محمد الصلابي:

https://www.alsalabi.com/salabibooksOnePage/778

▪️ أو من Google Drive:

https://drive.google.com/file/d/1IpZJzlTeRseZY6bO4oKymerLqvOf96oz

Related Articles

Back to top button