عامقضايامقالاتمقالات تربوية

الشهادة في التصور الإسلامي

 

أ.فرج كندي

من الكلمة إلى الوجود… ومن الإقرار إلى التحول الحضاري

ليست الشهادة في الإسلام مجرد لفظ يُنطق، ولا عبارة تُردّد على ألسنة المؤمنين، بل هي لحظة وجودية فاصلة، ينتقل فيها الإنسان من طور إلى طور، ومن وعيٍ غائم إلى إدراكٍ يقيني، ومن انتماءٍ وراثي إلى اختيارٍ واعٍ يُعيد تشكيل علاقته بنفسه وبالعالم من حوله. إنها ليست بداية الدخول في الإسلام فحسب، بل هي بداية التشكّل الحقيقي للإنسان المسلم، إذ بها تتحدد وجهته، وتُرسم معالم رؤيته، وتُبنى منظومته القيمية والفكرية.

حين ينطق الإنسان بالشهادة، فهو لا يضيف معلومة جديدة إلى ذهنه، بل يُحدث انقلابًا عميقًا في مركز إدراكه؛ إذ تتحول الحقيقة من كونها فكرة خارجية إلى يقين داخلي، ومن تصور ذهني إلى التزام وجودي. ولذلك، فإن الشهادة في جوهرها ليست قولًا، بل تحولٌ في الوعي، يحرر الإنسان من أسر التبعية العمياء، ويدخله في فضاء المسؤولية والاختيار.

إن أول ما تفعله الشهادة هو أنها تعيد بناء العلاقة بين الإنسان والحقيقة. فهي لا تقبل أن يكون الإيمان مجرد تقليد أو وراثة، بل تقتضي أن ينبع من معرفة ويقين. وهنا يتجلى البعد المعرفي العميق للشهادة، حيث لا يُطلب من الإنسان أن يكرر ما سمع، بل أن يدرك ما يقول، وأن يعي ما يعتقد. ومن ثم، فإن الشهادة تمثل انتقالًا من الجهل إلى الوعي، ومن التلقين إلى الفهم، ومن الاتباع الأعمى إلى الاقتناع الحر.

لكن هذا الإدراك لا يظل حبيس الذهن، بل يتجسد في مضمون الشهادة نفسها، حيث تأتي عبارة “لا إله إلا الله” لتحدث قطيعة جذرية مع كل أشكال التأليه الزائف. فهي ليست مجرد صيغة لغوية، بل إعلان تحرر شامل، يبدأ بنفي كل سلطة مطلقة سوى الله، وكل مرجعية نهائية غيره، وكل قوة يُخضع لها الإنسان نفسه بغير حق. إنها هدمٌ لكل ما يستعبد الإنسان في داخله وخارجه، سواء كان ذلك في صورة سلطة، أو مال، أو هوى، أو تقليد.

ثم يأتي الإثبات “إلا الله” ليعيد بناء هذا الفراغ على أساس التوحيد، حيث لا يكون الإنسان تابعًا إلا لله، ولا خاضعًا إلا لحكمه، ولا مستمدًا قيمه إلا من وحيه. وهنا تتحول الشهادة إلى عملية تحرير مزدوجة: تحرير من الخارج من كل أشكال الهيمنة، وتحرير من الداخل من سلطان النفس وشهواتها. وبذلك، لا يعود التوحيد مفهومًا عقديًا مجردًا، بل يصبح قوة وجودية تعيد تشكيل الإنسان من الداخل.

غير أن هذا البناء لا يكتمل إلا بالشهادة الثانية، “أن محمدًا رسول الله”، التي تنقل الإنسان من مستوى الإيمان المجرد إلى مستوى الالتزام المنهجي. فالإيمان بالله، مهما بلغ من العمق، يظل بحاجة إلى طريق يُهذّبه ويضبط مساره، وهذا الطريق يتمثل في اتباع النبي ﷺ. ومن هنا، فإن الإقرار بالرسالة ليس مجرد اعتراف تاريخي، بل هو التزام عملي بمنهج محدد في الفهم والسلوك.

إن الشهادة الثانية تحمي الإيمان من الانحراف، إذ تمنع الإنسان من أن يصوغ دينه وفق أهوائه أو تصوره الخاص، وتربطه بالنموذج العملي الذي جسد الوحي في الواقع. وهكذا، تصبح الشهادة بنصفيها: الأولى تؤسس للمرجعية، والثانية تؤسس للمنهج، وبهذا يكتمل البناء.

غير أن الأثر الحقيقي للشهادة لا يظهر في حدود الاعتقاد، بل يتجاوز ذلك إلى السلوك والأخلاق. فحين يستقر التوحيد في القلب، لا يبقى مجرد فكرة، بل يتحول إلى قوة دافعة تُوجّه تصرفات الإنسان. ومن هنا، فإن الأخلاق في الإسلام ليست منظومة منفصلة عن العقيدة، بل هي ثمارها الطبيعية. فالصدق، والأمانة، والعدل، والرحمة، كلها ليست فضائل اجتماعية فحسب، بل تجليات عملية للإيمان.

ولذلك، فإن أي خلل في السلوك الأخلاقي لا يمكن فصله عن خلل في تحقق الشهادة في النفس؛ إذ لا معنى لشهادة لا تنعكس على الواقع، ولا قيمة لإيمان لا يظهر أثره في المعاملة. فالشهادة الحقيقية هي التي تُرى في الأفعال كما تُسمع في الأقوال.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم الشهادة بوصفها حدثًا لحظيًا ينتهي عند التلفظ بها، بل هي مسار دائم من التحقق، يرافق الإنسان في كل تفاصيل حياته. فهي ليست كلمة تُقال مرة، بل عهد يُجدَّد في كل موقف، وميزان يُحتكم إليه في كل قرار. وكلما ازداد الإنسان وعيًا بها، ازداد اقترابه من معناها الحقيقي، وكلما غفل عنها، تحولت إلى مجرد لفظ لا روح فيه.

وحين تنتقل الشهادة من الفرد إلى المجتمع، فإنها لا تبقى شأنًا شخصيًا، بل تصبح أساسًا لبناء حضاري متكامل. فالمجتمع الذي يتأسس على الشهادة هو مجتمع تُحكمه القيم لا المصالح، ويقوم على العدل لا على القوة، ويتوازن فيه البعد الروحي مع البعد المادي. ومن هنا، فإن الشهادة ليست مجرد عقيدة فردية، بل هي قاعدة لبناء نظام اجتماعي وأخلاقي شامل.

غير أن الواقع المعاصر يكشف عن فجوة واضحة بين مفهوم الشهادة وحقيقتها المعيشة. فكثير من الناس يعرفونها لفظًا، لكنهم لا يعيشونها معنى. وقد تحولت في بعض الأحيان إلى مجرد هوية ثقافية، أو شعار ديني، دون أن تؤدي دورها في تشكيل السلوك أو توجيه الحياة. وهذه الفجوة لا تعكس ضعفًا في المفهوم، بل ضعفًا في الفهم والتحقق.

إن التحدي الحقيقي اليوم لا يكمن في تعريف الشهادة، بل في إعادة إحيائها في الوعي والسلوك، بحيث تعود إلى وظيفتها الأصلية كقوة تغيير، لا كعبارة متوارثة. فالعالم الذي تتنازعه القيم، وتضطرب فيه المعايير، يحتاج إلى هذا النموذج الأخلاقي العميق، الذي يجمع بين الإيمان والمعرفة، وبين العقيدة والعمل.

وفي النهاية، يمكن القول إن الشهادة ليست مجرد مدخل إلى الإسلام، بل هي عملية مستمرة لإعادة بناء الإنسان، تبدأ من القلب، وتمر بالعقل، وتنعكس في السلوك، لتصل في النهاية إلى بناء مجتمع متوازن قائم على العدل والرحمة. إنها كلمة، لكنها تختزل مشروع حياة كامل؛ كلمة تفتح للإنسان باب الحقيقة، لكنها لا تُغلق إلا حين تتحول إلى واقعٍ يُعاش في كل تفاصيل الحياة.

 

Related Articles

Back to top button