
أ.مصباح بوكرش الورفلي
على غرار عناوين الأئمة المتقدمين ذات السبك السجعي الرصين، ككتاب الإمام محمد زاهد الكوثري الموسوم بـ تأنيب الخطيب فيما ساقه على أبي حنيفة من أكاذيب، جاءت هذه المقالة ردّا على ما وقفت عليه من كلام لأحد المنتسبين إلى دوائر الفتوى بشرق البلاد، اتهم فيه فقهاء المالكية الأوائل بتبنّي فكر الخوارج والخروج على ولاة الأمور، بل زاد على ذلك بادعائه عدم صحة الأخذ عنهم أو تزكيتهم، في جرأة علمية لا تستند إلى تحرير تاريخي ولا تحقيق مذهبي ولا فهم لتطور المدارس الفقهية وأطوارها الفكرية والسياسية.
ومن منطلق اشتغالي الأكاديمي بتاريخ أعلام المذهب المالكي بالمغرب والأندلس، رأيت أن أكتب هذه الأسطر كشفا لهذا الخلط، ورفعا للَّبس، وبيانا للفارق الكبير بين الخروج الخارجي ذي الأصول العقدية، وبين الاجتهادات السياسية التي عرفها بعض فقهاء الإسلام في عصور الفتن والاضطرابات.
ولئن كان من حق الباحث أن يناقش مواقف العلماء واجتهاداتهم، فإنه ليس من حقه أن يقتطع النصوص من سياقاتها التاريخية، أو أن يحمل مصطلحات القرون الأولى على المفاهيم العقدية المتأخرة، ثم يبني على ذلك أحكاما في التبديع والتضليل والطعن في أئمة الأمة.
إن من أعظم ما ابتُليت به دوائر الإفتاء المعاصرة غيابُ العالم الموسوعي الشمولي الذي يجمع بين الفقه والتاريخ والسياسة والاجتماع ومقاصد الشريعة، فيفهم الفتوى في سياقها الزماني والمكاني، ويُدرك أسبابها وعللها ومآلاتها،ولأجل نُدرة هذا الصنف من العلماء في العصور المتأخرة، نشأت المجامع الفقهية الجامعة في عالمنا الإسلامي التي تضم مختلف التخصصات؛ حتى لا تُستخرج الأحكام والفتاوى بمعزل عن واقعها وسياقاتها.
أما الاقتصار على اجتزاء الروايات من بطون التراجم وكتب التاريخ دون فهم لأطوار المذاهب السنية عبر مراحل:
“التأسيس_التدوين_التحرير_التطوير_ الاستقرار”
فهو من أعظم أسباب الاضطراب في فهم التراث الإسلامي، ويؤدي إلى إسقاطات خاطئة تُلبِّس على العامة وتزعزع الثقة بأئمة المذاهب وعلمائها.
ومن هنا كان لزاما أن نقرر ابتداء أن مواقف بعض فقهاء المالكية الأوائل من قضية الخروج على السلطان لا يمكن فهمها إلا في إطارها التاريخي والسياسي، لا من خلال التصنيفات العقدية المتأخرة.
المالكية الأوائل ومسألة الخروج: بين الاجتهاد السياسي والانحراف العقدي.
إن دعوى أن فقهاء المالكية الأوائل كانوا خوارج دعوى باطلة تاريخيا وعلميا؛ لأن الخوارج فرقة عقدية لها أصولها المعروفة، ومن أبرزها:
1_تكفير مرتكب الكبيرة،
2_الحكم بخلود العصاة في النار،
3_استحلال دماء مخالفيهم،
4_جعل الخروج أصلا دينيا دائما.
ولم يكن شيء من ذلك معروفا عن أئمة المالكية ولا عن كبار فقهائهم.
وإنما الذي وقع أن بعض علماء القرنين الثاني والثالث الهجريين — من المالكية وغيرهم — كانوا يرون جواز الخروج على الحاكم الظالم إذا ظهر فسقه أو ظلمه الفاحش، أو غلب على الظن إمكان تغييره، وكان هذا الرأي جزءا من الجدل السياسي والفقهي في تلك العصور المضطربة، قبل أن يستقر رأي جمهور أهل السنة لاحقا على ترجيح ترك الخروج سدا لباب الفتنة.
وقد أشار إلى هذه الحقيقة الإمام القاضي عياض في غير موضع من كتبه، مبينا أن السلف اختلفوا قديما في قتال الأئمة والخروج عليهم، ثم استقر الأمر عند جمهور أهل السنة على ترك ذلك لما آل إليه من مفاسد عظيمة وسفك للدماء.
وهذا النص وحده كاف في إبطال دعوى من يزعم أن مجرد القول بجواز الخروج في بعض الأحوال يجعل صاحبه خارجيا؛ إذ لو صح هذا الإطلاق للزم اتهام طوائف واسعة من فقهاء السلف بالخارجية، وهو ما لم يقل به أحد من أهل العلم المعتبرين.
الإمام مالك وموقفه من ثورة النفس الزكية.( 145هـ /762 م)
ومن أشهر الوقائع التي تكشف طبيعة هذا الجدل السياسي في العصر المبكر ما نُقل عن الإمام مالك بن أنس أثناء خروج محمد النفس الزكية على الخليفة العباسي أبي جعفر المنصور.
فقد أفتى الإمام مالك بأن:
“ليس على مكره يمين”.
وكان الناس قد أُكرهوا على بيعة المنصور، ففهم كثير منهم من فتوى مالك جواز نقض البيعة والخروج مع النفس الزكية، الأمر الذي أغضب السلطة العباسية، فتعرض الإمام مالك للأذى والضرب.
ومع ذلك، لم يقل أحد من أئمة الإسلام إن الإمام مالك كان خارجيا، ولا إن مذهبه مذهب خوارج، لأن المسألة كانت مرتبطة باجتهاد سياسي وفقهي في ظرف تاريخي شديد الاضطراب، لا بأصل عقدي خارجي.
وقد ذكر هذه الواقعة:
ترتيب المدارك،للقاضي عياض
والانتقاء، لابن عبد البر
وسير أعلام النبلاء. للذهبي
والإمام مالك، لمحمد أبو زهرة وغيرها من كتب التراجم والتاريخ من القدامى والمحدثين.
فقهاء المالكية وثورة الربض بالأندلس(202هـ / 818م)
ومن القضايا التي يستغلها بعض المعاصرين للطعن في المالكية ما جرى زمن ثورة الربض في قرطبة، ضد الأمير الأموي الحكم بن هشام المعروف بالربضي.
وقد شارك في أجواء المعارضة آنذاك عدد من الفقهاء المالكية أو تعاطفوا مع الناس بسبب ما شاع من المظالم والتضييق، ومن أشهرهم:
يحيى بن يحيى بن وسلاس الليثي، الذي لقّبه الإمام مالك بعاقل أهل الأندلس، وهو أول من أدخل موطأ الإمام للأندلس.وعيسى بن دينار، وغيرهما من أعلام المالكية بالأندلس.
إلا أن المصادر التاريخية لا تذكر عن هؤلاء تبنّيهم لعقائد الخوارج، ولا خروجهم عن أصول أهل السنة، وإنما كان الأمر متعلقا بموقف سياسي من السلطة الحاكمة في سياق اجتماعي مضطرب اتسم بالضرائب الجائرة التي فرضها الحاكم، والقمع والاحتقان الشعبي.
بل إن الدولة الأموية نفسها كانت تدرك أن قوة هؤلاء الفقهاء نابعة من مكانتهم العلمية والشعبية، لا من انتمائهم إلى فرقة عقدية منحرفة، ولذلك صدر بحق بعضهم عفو لاحقا.
وقد تناولت هذه الأحداث مصادر أندلسية ومغاربية عديدة، منها:
البيان المغرب في تاريخ المغرب والأندلس، لابن عذاري المراكشي
ونفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب، لأحمد المقري التلمسان
وترتيب المدارك وتقريب المسالك لمعرفة أعلام مذهب مالك، للقاضي عياض وغيرها من المصادر التاريخية وكتب التراجم.
عبدالله بن فروخ والاتجاه المالكي القديم في إفريقية:
كما أن من المهم فهم طبيعة المدرسة المالكية القديمة في المغرب الأدنى “إفريقية” الذي تعد منطلق المذهب في المغرب الكبير والأندلس، فقد تأثرت هذه البيئة العلمية بأجواء الزهد والاحتساب والأمر بالمعروف، وعاشت في ظل اضطرابات سياسية وصراعات مذهبية متعددة ومتشابكة، سواء مع الخوارج أو العباسيين أو نوابهم من الأسرة المهلبية آل المهلب.
ومن أعلام هذه المرحلة الفقيه المالكي عبدالله بن فروخ الفارسي أحد تلاميذ الإمام مالك وشيخ صاحب الأسدية أسد بن الفرات، الذي نُقلت عنه مواقف شديدة تجاه الوالي روح بن حاتم المهلبي الذي غالى في جوره وبطشه أثناء قمع الخوارج بالمغرب فشمل قمه الجميع، ومما يُروى عنه نقلا عن أبي العرب في كتابه الموسوم “طبقات علماء إفريقية” أنه في إحدى المرات أرسل إليه الوالي “روح” يسأله عن دم البراغيث وهل ينجس الثوب، فتعجب ابن فروخ وقال غاضباً والرسول يسمعه: “يا عجبا، يسألون عن دم البراغيث ولا يسألون عن دماء المسلمين”، ووقع خلاف بينه وبين الفقيه المالكي عبد الله بن غانم حول تولي القضاء لروح بن حاتم المهلبي وراسلا مالكا في ذلك فأفتى مالك بأن “أصاب الفارسي _يعني ابن فروخ وأخطأ العربي_ابن غانم” فكل هذه المرويات تعكس طبيعة المرحلة لا خروجا عن أصول أهل السنة.
ولم يكن المالكية وحدهم في هذا؛ بل شاركهم في ذلك فقهاء ومحدثون من مدارس أخرى، قبل أن تتبلور لاحقا النظرية السنية السياسية القائمة على ترجيح الصبر وترك الخروج دفعا للفتن.
_التحول الكبير في المذهب المالكي.
ومع توالي الثورات وسفك الدماء وفشل كثير من الحركات المسلحة، بدأ فقهاء أهل السنة — ومنهم المالكية — يعيدون النظر في مآلات الخروج وآثاره.
فنشأ اتجاه قوي يُغلب:
“حفظ الجماعة،ومنع الفتنة،وسد ذرائع الاحتراب الداخلي”.
وكان من أبرز من رسخ هذا الاتجاه الإمام سحنون بن سعيد، الذي عُرف بتعظيمه للجماعة وتحذيره من الفتن المسلحة.
ومع ذلك، فإن سحنون لم يكن يبرر الظلم، وإنما كان يفرق بين:
إنكار المنكر والنصح، وبين التحول إلى الاقتتال الداخلي.
وقد نقلت كتب التراجم عنه مواقف تؤكد هذا المعنى، ومنها ما ذكره القاضي عياض في ترتيب المدارك من مخاطبته لبعض من اتُّهموا بمعارضة السلطان، مع إقراره بأن الحق قد يكون معهم من جهة المظلمة، لكنه كان يرفض الخروج المسلح لما يؤدي إليه من فساد أعظم.
وهنا يتضح التحول التاريخي المهم داخل المدرسة المالكية:
من مرحلة كان يُنظر فيها إلى مقاومة الظلم باعتبارها من أبواب الأمر بالمعروف،إلى مرحلة تغليب مآلات الاستقرار ومنع الفتن.
ومن الجدير بالقول إن دراسة مواقف فقهاء المالكية الأوائل من قضايا السياسة والخروج لا يجوز أن تكون بعقلية التصنيف الحزبي المعاصر، والنظرة الأيديولوجية القاصرة، ولا بمنهج الاجتزاء والانتقاء، بل تحتاج إلى:
معرفة دقيقة بالتاريخ، وفهم لتطوّر المذاهب، وإدراك للفروق بين الاجتهاد السياسي والانحراف العقدي.
ولو كان مجرد القول بجواز الخروج في بعض الظروف يجعل صاحبه خارجيا، للزم اتهام جماعات من كبار علماء السلف بذلك، وفي مقدمتهم بعض أئمة المدينة والعراق والمغرب والأندلس، وهو باطل بإجماع أهل العلم.
إن فقهاء المالكية كانوا — في مجموعهم — من أئمة أهل السنة والجماعة، وقد اختلفت اجتهاداتهم السياسية بحسب ظروف عصورهم، ثم استقر مذهبهم، كغيره من المذاهب السنية، على ترجيح ترك الخروج لما ظهر لهم من عظيم الخسائر في الدماء.
وختاما..
أقول إن من مواضع العجب والاستغراب أن يصدر هذا الطعن من شخص ينتسب إلى مؤسسة دينية رسمية تُفترض فيها العناية بالتحرير العلمي، والوعي بتاريخ المذاهب وتطوّرها، فإذا به يردد دعاوى مجتزأة لا تقوم على تحقيق ولا تدقيق، متجاهلا الفوارق بين الاجتهاد السياسي العارض وبين الأصول العقدية المستقرة، فكيف يتجرأ منتسب إلى مؤسسة إفتائية على اتهام أئمة المالكية الأوائل بالخوارج، وهو باب من أبواب التبديع والتشنيع الخطير الذي لا يُطلقه أهل العلم إلا ببينة راسخة وتحقيق دقيق؟
ثم إن المتأمل لا يسعه إلا أن يتساءل: ما الغاية من إثارة هذه المزاعم في هذا التوقيت تحديدا؟ وما الدافع إلى زعزعة ثقة العامة بفقهاء مذهبهم وأئمتهم، وإعادة قراءة التاريخ المذهبي بعين الخصومة والإسقاط الأيديولوجي؟ أهو جهل بحقائق التاريخ وتطوّر المدارس الفقهية، أم محاولة لإعادة تشكيل الوعي الديني بما يخدم خطابات الإقصاء والطعن في التراث الفقهي السني بالمغرب الإسلامي؟




