اجتماعيةثقافة ومجتمععامقضايامقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

هل غيّرت الثورة بنية الوعي والمجتمع والسلطة، أم أعادت إنتاج القديم بأسماء جديدة

أ. مصباح الورفلي
لم يعد السؤال اليوم: هل نجحت الثورة أم فشلت؟
بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحا وعمقا: هل استطاعت الثورة أن تغيّر بنية الوعي والمجتمع والسلطة، أم أنها أعادت إنتاج النظام القديم بأسماء جديدة وأدوات أكثر مرونة؟
هذا التساؤل لم يأتِ من فراغ، بل فرضته تحولات متسارعة أعايشها بوصفي أحد مناصري ثورة السابع عشر من فبراير، ممن آمنوا بها منذ لحظاتها الأولى، ودفعوا أثمانا باهظة دفاعا عن أهدافها، بين تهجير قسري وتنكيل وتعقّب استمر لأكثر من أحد عشر عاما.
غير أن ما دفعني اليوم إلى كتابة هذه السطور ليس مجرد الإرهاق السياسي أو خيبة الأمل العابرة، بل تحولات تجاوزت حدود التوقع، ولعل آخرها تكريم إحدى الشخصيات المرتبطة بالنظام السابق، “هدى بن عامر”، من قبل مؤسسة رقابية يُفترض أنها معنية بصون المال العام ومكافحة الفساد.
هنا لا أتحدث بمنطق الإقصاء أو الانتقام، ولا أتبنى خطاب “التطهير الثوري” الذي يرفض أي مصالحة وطنية. بل على العكس، أؤمن أن بناء الأوطان لا يكون إلا بمشروع جامع يستوعب الجميع ضمن دولة قانون وعدالة انتقالية حقيقية.
لكن ثمة فارقا كبيرا بين المصالحة بوصفها مدخلا للاستقرار الوطني، وبين إعادة تدوير المنظومة القديمة بعقليتها وأدواتها تحت شعارات جديدة.
المشكلة الحقيقية ليست في عودة بعض الأشخاص بقدر ما تكمن في عودة الذهنية التي حكمت البلاد لعقود:
ذهنية الاستبداد، والهيمنة، وإدارة الدولة باعتبارها غنيمة لا مؤسسة.
وهو ما يجعلنا أمام خطر حقيقي يتمثل في تسرّب “الدولة العميقة” مجددًا إلى مفاصل السلطة، مستفيدة من حالة الإنهاك الشعبي والسيولة السياسية والاقتصادية والعسكرية التي دفعت قطاعات واسعة من المجتمع إلى القبول بأي شكل من أشكال “الاستقرار”، ولو كان على حساب روح الثورة نفسها.
وبصفتي ابنا للمدرسة التاريخية ومطلعا على تحولات المجتمعات عبر التاريخ، أدرك جيدا أن الثورات ليست لحظة عاطفية عابرة، بل مسارات تاريخية معقدة تتداخل فيها المبادئ بالمصالح، والأحلام بالوقائع، والنقاء الأولي بالتسويات اللاحقة.
ولهذا كثيرًا ما يشعر الثوريون، بعد سنوات من انطلاق الثورات، بأن “الثورة سُرقت” أو “انحرفت”، بينما يرى آخرون أن ما حدث ليس خيانة، بل انتقال طبيعي من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة.
وفي الحقيقة، يمكن فهم هذه الإشكالية من خلال التمييز بين “التحول الطبيعي” و”الانحراف الخطير”.
فالتحول الطبيعي هو ما تفرضه ديناميكية الثورات نفسها؛ إذ تبدأ الثورات عادة بخطاب مثالي حادّ تقوده الجماهير الغاضبة أو النخب الثورية، ثم تدخل لاحقا عوامل أكثر تعقيدا:
الدولة العميقة، والتوازنات الدولية، والمؤسسة العسكرية، والاقتصاد، والمصالح الاجتماعية، فتتحول الثورة من “فعل احتجاجي خالص” إلى “عملية سياسية” مليئة بالتسويات والتحالفات وإعادة التموضع.
ولذلك لم تبقَ أي ثورة كبرى في التاريخ على صورتها الأولى.
فالثورة الفرنسية انتقلت من شعارات الحرية إلى عهد الإرهاب، ثم إلى حكم نابليون، قبل أن تعود أسرة البوربون إلى الحكم سنة 1814م.
والثورة البلشفية في روسيا انتهت إلى دولة مركزية صارمة تختلف كثيرا عن شعاراتها الأولى.
كما تحولت العديد من ثورات التحرر في العالم العربي والإفريقي من أحلام شعبية واسعة إلى أنظمة سلطوية في مراحل لاحقة.
لكن هذا التغيّر لا يعني بالضرورة فشل الثورة؛ لأن الثورة ليست نصًا جامدا، بل حركة اجتماعية تخضع لموازين القوة والواقع.
غير أن الخطورة تبدأ عندما لا يقتصر الأمر على تبدّل الوسائل أو تداول الأشخاص، بل يمتد إلى ضياع المقاصد الكبرى التي قامت الثورة من أجلها:
الحرية، والعدالة، والكرامة، وإنهاء الاستبداد، وبناء دولة القانون.
فما دامت هذه القيم حاضرة في وعي المجتمع، ومحمية بالنخب والمؤسسات، فإن تغيّر الوجوه لا يعني نهاية المشروع الثوري.
أما الانحراف الحقيقي فيبدأ عندما تعود أدوات الاستبداد نفسها، أو تتحول الثورة إلى مجرد عملية إعادة تدوير للنظام القديم، أو تُختزل التضحيات الشعبية في مصالح نخبة جديدة أكثر انتهازية وفسادا، أو تصبح “المصالحة الوطنية” غطاءً لإلغاء التغيير بدل تنظيمه.
عندها يشعر الناس أن الثورة لم تتطور، بل هُزمت وفقدت روحها المؤسسة.
وربما لهذا السبب يتولد اليوم شعور واسع بالقلق تجاه بعض التحولات الفجّة التي لا تبدو جزءا طبيعيا من مسار بناء الدولة، بقدر ما تعكس ارتدادا تدريجيا نحو إعادة إنتاج الماضي.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلّمنا أن الثورات قد تُهزم سياسيا، لكنها تنتصر تاريخيا عندما تغيّر وعي الشعوب وتكسر حاجز الخوف.
فعودة آل بوربون إلى فرنسا بعد الثورة الفرنسية لم تستطع إعادة المجتمع إلى ما قبل الثورة؛ لأن الوعي تغيّر، والطبقات الاجتماعية تبدلت، والأفكار الدستورية والليبرالية انتشرت، ولم يعد الشعب مستعدا للعودة الكاملة إلى الحكم الأرستقراطي وهيمنة الكنيسة.
ولهذا اندلعت ثورة جديدة سنة 1830م انتهت بإسقاط شارل العاشر وإنهاء الحكم البوربوني التقليدي.
ومن هنا يمكن القول إن الثورات لا تفشل لمجرد تغيّر مساراتها؛ فالتغيّر جزء من حركة التاريخ.
لكنها تفشل فعلًا عندما تفقد غاياتها الكبرى، وتتحول من مشروع تحرر إلى أداة جديدة لإعادة إنتاج الهيمنة، مستفيدة من إنهاك الشعوب وغياب الوعي وتراجع دور النخب المثقفة.
ولهذا يبقى السؤال مفتوحا ومشروعا:
هل غيّرت الثورة فعلا بنية الوعي والمجتمع والسلطة؟
أم أننا نعيش اليوم نسخة جديدة من القديم، بأسماء مختلفة وشعارات أكثر حداثة؟

Related Articles

Back to top button