اجتماعيةشخصيات وأعلامعاممقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية
لشيخ العلامة أبو الأعلى المودودي رحمه الله وصناعة جيل النهضة

بقلم: د. علي محمد الصلابي من يُعَدُّ الشيخُ العلامةُ أبو الأعلى المودودي – رحمه الله –
من أبرز المفكّرين الذين أسهموا في إعادة تشكيل الوعي الإسلامي في القرن العشرين، إذ لم يكن مجرّد كاتبٍ أو داعيةٍ تقليدي، بل صاحبَ مشروعٍ فكريٍّ متكاملٍ سعى إلى إعادة الإسلام إلى موقعه الطبيعي بوصفه منهجاً للحياة، وقادراً على تقديم إجاباتٍ عميقةٍ لتحدّيات العصر وتحولاته. وقد شكّل حضوره في مسيرتي الفكرية محطةً مبكّرةً ومؤثّرةً؛ إذ كان لحديث والدي – رحمه الله – عنه في شبابي أثرٌ بالغٌ في توجيه اهتمامي، كما وثّقتُ ذلك في كتابي ذكريات لا تُنسى، ثم تعمّق هذا الاهتمام بعد خروجي من ليبيا، حين أقبلتُ على قراءة معظم كتبه المترجمة، فاكتشفتُ في مشروعه بُعداً تحليلياً ونقدياً يتجاوز حدود الطرح الوعظي إلى بناء رؤيةٍ حضاريةٍ شاملة. لقد امتاز المودودي بسعة اطلاعه على الحضارة الغربية، لا من موقع الانبهار أو التلقّي السلبي، بل من موقع الفحص النقدي العميق؛ فكان أشبه بطبيبٍ نطّاسٍ يُحسن تشخيص الداء قبل وصف الدواء، إذ كشف عن مواطن الخلل البنيوي في المنظومة الحضارية الغربية، وبيّن ما تنطوي عليه من اختلالاتٍ أخلاقيةٍ وفكريةٍ، في مقابل تأكيده أن علاج أزمات المجتمعات الإسلامية لا يكون بالاستيراد الأعمى، وإنما بالرجوع إلى الإسلام في صفائه الأصيل ومنهجه المتكامل. وفي هذا السياق، لم يقف المودودي عند حدود النقد النظري، بل تجاوز ذلك إلى تشخيص أمراض الواقع الإسلامي ذاته، حيث سلّط الضوء على مظاهر الاستبداد السياسي، والانحراف عن القيم، وهيمنة الطغاة الذين جثموا على صدور شعوبهم، يحكمونها بالحديد والنار، ويستنزفون خيراتها، ويرتهنون لإرادات القوى المستعمرة بثمنٍ بخس. ومن هنا، تبلور مشروعه بوصفه دعوةً واعيةً إلى التحرّر الشامل، وإعادة بناء الإنسان المسلم القادر على حمل رسالة الإسلام، وصناعة جيلٍ نهضويٍّ يجمع بين عمق الإيمان ووعي الواقع، وبين الثبات على المبادئ والقدرة على التغيير. كان أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – يُولِي فئةَ الشباب عنايةً خاصّةً، إدراكاً منه أنّهم مادةُ النهوض، وركيزةُ التحوّل الحضاري. فكان يخاطبهم بروحٍ استنهاضيةٍ واعيةٍ، داعياً إيّاهم إلى أن يجعلوا القرنَ القادم قرنَ الإسلام، انطلاقاً من يقينٍ فكريٍّ لديه بأنّ الحضارة المادّية المعاصرة تتّجه نحو أزماتٍ بنيويةٍ عميقة، تُنذر بفراغٍ قيميٍّ ومعنويٍّ في حياة البشريّة. وفي هذا الأفق، لم يكن طرحه مجرّد توقّعٍ نظري، بل دعوةٌ عمليّةٌ إلى تحمّل المسؤولية التاريخية، وملء ذلك الفراغ بمنهج الإسلام، عبر الصبر والمصابرة، والاستمرار في العمل الدعويّ والفكريّ بروحٍ واعيةٍ لا تعرف الانقطاع (من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية، (1/ 44 إلى 49). وقد انعكست هذه الرؤية في أثره العلميّ؛ إذ إنّ القارئ لكتابات المودودي في الفكر الإسلامي لا يخرج بثقافةٍ عامةٍ فحسب، بل يكتسب أدواتٍ منهجيةً رصينةً تمكّنه من تحليل الخطاب الحضاريّ المعاصر، والوقوف على مواطن ضعفه، وتفكيك بنيته النقدية بميزان العقل والبرهان. فقد جمع – رحمه الله – بين وضوح الفكرة، وقوّة الاستدلال، وحُسن البيان، فكان خطابه مزيجاً من الحكمة والعمق، يُعيد الاعتبار للفكر الإسلامي بوصفه نسقاً معرفيّاً قادراً على الإقناع والمجادلة، لا مجرّد خطابٍ وعظيٍّ أو عاطفي. ومن هنا، تتجلّى قيمة المودودي في كونه لم يكتفِ بالتنظير، بل أسّس لمدرسةٍ فكريّةٍ تُسهم في بناء الوعي، وتُخرّج جيلاً قادراً على فهم واقعه، والتفاعل معه، وتقديم البديل الحضاريّ المنشود. وفيما يلي ترجمتُه – رحمه الله – في سياقٍ يكشف ملامح شخصيّته العلميّة، ومسيرته الإصلاحيّة، وموقعه في سجلّ المصلحين المعاصرين. 1- مولده ونشأته: ولد أبو الأعلى المودودي في 24 سبتمبر/ أيلول 1903 في مدينة أورنك آباد بمقاطعة حيدر آباد، ونشأ في أسرة متدينة صوفية تنتمي للشيخ قطب الدين مودود الجشتي، مؤسس الطريقة الجشتية في الهند. وينتمي أبو الأعلى المودودي إلى أسرة تمتد جذورها إلى شبه جزيرة العرب، فقد هاجرت أسرته منذ أكثر من ألف عام إلى جشت بالقرب من مدينة هراة، ثم رحل جده الأكبر “ضواجه مودود” إلى الهند في أواخر القرن التاسع الهجري. وكان أبوه سيد أحمد حسن مودود الذي ولد في دلهي بالهند سنة (١٢٦٦ هـ = ١٨٥٠م) واحدًا من طلاب جامعة عليكرة، وقد عمل مدرسًا، ثم عمل بالمحاماة، وفي (٣ من رجب ١٣٢١ هـ = ٢٥ من سبتمبر ١٩٠٣م) رزق بابنه “أبو الأعلى المودودي”، وبعد ذلك بنحو عام اعتزل الأب الناس، ومال إلى الزهد، فنشأ أبو الأعلى في ذلك الجو الصوفي، وتفتحت عيناه على تلك الحياة التي تفيض بالزهد والورع والتقوى. وقضى أبو الأعلى طفولته الأولى في مسقط رأسه في مدينة “أورنك آباد الدكن”، بمقاطعة حيدر آباد، وكان أبوه معلمه الأول، وقد حرص أبوه على تنشئته تنشئة دينية، واهتم بتلقينه قصص الأنبياء والتاريخ الإسلامي، وكان يصحبه إلى مجالس أصدقائه من رجال الدين والعلماء؛ فتفتحت ملكاته وظهر نبوغه وذكاؤه منذ حداثة سنه، ونال إعجاب أساتذته منذ سنوات دراسته الأولى. وحرص أبوه على تعليمه اللغة العربية والفارسية بالإضافة إلى الفقه والحديث، وأقبل المودودي على التعليم بجد واهتمام حتى اجتاز امتحان مولوي، وهو ما يعادل الليسانس. (موقع إسلام أون لاين(. 2- التعليم والتكوين العلمي: رفض والده تعليمه بالمدارس الإنجليزية في إطار مواجهته حكم الاستعمار البريطاني للهند ونظامه التعليمي والتربوي، فكان مُدَرِّسَه الأول، منه تعلم العربية والقرآن الكريم، والحديث النبوي الشريف والفقه، والتاريخ واللغة الفارسية والأوردية. واصطحبه معه إلى مجالس أصدقائه من العلماء والمثقفين والمتدينين. وعن ذلك يقول المودودي: “كان والدي يأخذني معه دائما عند رفاقه، وكُلُّهم على درجة عالية من الثقافة والاتزان، فانتقلت إليّ من مجالستهم العادات الفاضلة الحسنة”. ونظراً لتميّزه وتفوّقه، التحق مباشرة بالمدرسة الثانوية في أورنك آباد ثم المدرسة العليا. التحق بوالده في حيدر آباد بعد مرضه لخدمته إلى أن توفي عام 1919، ولم يتجاوز حينها الـ16 من عمره. واضطرته الظروف الاجتماعية إلى العمل محرراً بمجلة التاج في مدينة بجنور، وبعدما أغلقتها السلطات عمل مع جمعية إعانة وغوث المسلمين. وانتقل المودودي بعدها إلى دلهي وأصدر برفقة مدير جمعية علماء الهند جريدة “المسلم” التي تولّى فيما بعد إدارة تحريرها. واستثمر فرصة إقامته بدلهي بين 1921و1928 للتعمق في الثقافة الإسلامية، بعدما التقى نخبة من أهل العلم، فدرس علوم العربية والآداب والتفسير والحديث، وحفظ موطأ الإمام مالك، وتعمق في الفقه والأصول. كما تعلم المودودي الإنجليزية، واطلّع على الأدب الإنجليزي والعلوم الاجتماعية الغربية، واجتاز امتحان “مولوي” الذي يعادل الليسانس (البكالوريوس). وواصل قراءة الكتب والإقبال على المعرفة، ويقول عن ذلك “من عام 1929 إلى 1939 أفرغت عددا من خزانات الكتب والمراجع في ذهني، استعداداً للمهمة الجديدة، مهمة الدعوة إلى الإسلام في عصر مليء بالأفكار والتيارات ويفرض على الداعية أن يتزوّد بزاد كمّي علمي، وأن يحظى بعصا من البرهان يتوكّأ عليها ويهشّ بها على غنمه، ويحقق بها المآرب الأخرى”. (أبو الأعلى المودودي.. داعية فوق السحاب سمير حلبي. المكتبة الشاملة) 3- أبو الأعلى المودودي .. رحلة كفاح: عمل المودودي في الصحافة في وقت مبكّر، وكان ينتقل من صحيفة إلى أخرى، ويكتب لها افتتاحيات ناريّة، دفاعًا عن الخلافة الإسلامية الآيلة إلى السقوط، وصار رئيس تحرير مجلة (المسلم) التي تصدرها جمعية العلماء وهو ابن سبع عشرة (1920 – 1923م) وبكتابته هذه جمع بين السياسة والإعلام والانكباب على قضايا الإسلام والمسلمين، شارحًا ومنافحًا. وبدأ بالكتابة في بعض الجرائد، ثمّ اشترك مع مدير جمعية علماء الهند في إصدار جريدة مسلم، وصار مديرًا لتحريرها لمدة ثلاث سنوات حتى أُغْلِقَتْ عام (1922م) فانتقل إلى بهو بال، ثمّ عاد مرّة أخرى إلى دلهي سنة (1923م)؛ حيث تولّى الإشراف على إصدار جريدة تصدرها جمعية علماء الهند تحمل اسم الجمعية، وظل يتحمل وحده عبء إصدارها حتى سنة (1928م)، التي أتمّ فيها كتابه “الجهاد في الإسلام” الذي حقّق شهرة عالمية، وقد كتبه ردًّا على مزاعم غاندي التي يدعي فيها أنّ الإسلام انتشر بحدّ السيف، وفي عام (1932م) أصدر ترجمان القرآن من حيدر آباد الدكن، وكان شعارها: “احملوا أيها المسلمون دعوة القرآن وانهضوا وحَلِّقُوا فوق العالم”. وكان تأثير المودودي عبر ترجمان القرآن من أهمّ العوامل التي ساعدت على انتشار التيار الإسلامي في الهند، وزيادة قوته، وقد تبلور ذلك في حزب الرابطة الإسلامية، وتأكّد ذلك من خلال دعوته أثناء المؤتمر الذي عُقد في لكنو سنة (1937م) إلى الاستقلال الذاتي للولايات ذات الأغلبية الإسلامية. ونتيجة لشهرة المودودي واتّساع دائرة تأثيره الفكري في العالم الإسلامي؛ دعاه المفكّر والفيلسوف الهندي الكبير محمد إقبال سنة (1937م) إلى لاهور ليمارس نشاطه الإسلامي البارز بها، فَلَبَّى المودودي الدعوة؛ وعند وفاة إقبال في العام التالي تاركًا فراغًا كبيرًا في مجال الفكر والدعوة اتجهت الأنظار إلى المودودي ليملأ هذا الفراغ؛ فبدأ تأسيس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتمّ انتخابه أميرًا لها في (أغسطس 1941م)، وبعد ذلك بعامين نَقَلَتِ الجماعة الإسلامية مركزها الرئيسي من لاهور إلى دار السلام -إحدى قرى بتها نكوت- وكان المودودي طوال هذه الفترة لا يكف عن الكتابة والتأليف. وفي (نوفمبر 1972م) بعد نحو ثلاثين عامًا من الكفاح طلب المودودي إعفاءه من منصبه كأمير للجماعة الإسلامية لأسباب صحية، وانصرف إلى البحث والكتابة، وفي عام (1979م) فاز المودودي بجائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام؛ فكان أوّل من حصل على تلك الجائزة تقديرًا لجهوده المخلصة في مجال خدمة الإسلام والمسلمين. 4- منهجه الفكري: شَكَّلَ الفكر الإسلامي باتّساعه وشموله ومنهجيته إطارًا عامًا لفكر المودودي، ومنطلقًا لنظرته، وكان للمودودي موقف ورؤية من كل ما يحيط به في الحياة؛ وتجاوز مرحلة الدعوة باللسان والقلم إلى مرحلة العمل الحقيقي، حين ألّف الجماعة الإسلامية لتقوم بتطبيق ما دعا إليه من آراء نظرية في مجال التشريع الإسلامي حكمًا وقيادةً ومعاملات. وقد بدأ ذلك بإصدار بيان رنّان قال فيه: “لا بدّ من وجود جماعة صادقة في دعوتها إلى الله، جماعة تقطع صلتها بكلّ شيء سوى الله، جماعة تتحمّل السجن والتعذيب والمصادرة وتلفيق الاتهامات، وحياكة الأكاذيب، وتقوى على الجوع والعطش والحرمان والتشريد، وربمّا القتل والإعدام، جماعة تبذل الأرواح رخيصة وتتنازل عن الأموال بالرضا والخيار، وتقدّم كل ما تملك قربانًا في سبيل إقامة مجتمع الإسلام ونظامه، وإنّ الذين تتوفر لديهم الرغبة في ذلك عليهم أن يجتمعوا في لاهور يوم الخامس والعشرين من شهر أغسطس عام 1941م؛ لبحث إجراءات تأسيس حركة إسلامية في شكل منظّم”. ومن ثمّ سارع بطرح دستور الجماعة، تاركًا المجال للمناقشة الصريحة، حيث انتهوا إلى الموافقة التامة، وبدأ الكيان الإسلامي يتمثّل في تجمع جديد، يقوم بتطبيق ما جاء في دستور الجماعة. كان المودودي مفحمًا في منطقه، فجذب انتباه أنصار الفكرة الإسلامية، واندفعوا يترجمون مقالاته القوية إلى العربية والفارسية والإنجليزية والفرنسية، حتّى انتشرت تعاليم الإسلام على يده صحيحة صريحة في ربوع بذل أصحابها جهد الجبابرة في تشويه هذه التعاليم، ثم توَّج ذلك كله بوضع دستور شامل للحكم الإسلامي لا يزال إلى الآن أهم مرجع معاصر للدارسين . لقد عَبَّرَ الإمام المودودي عن إحساسه بأهميّة وجود جماعة مؤمنة مجاهدة تكون أداة للتغيير بقوله: “إنَّ نظام الاستخلاف في الأرض لا يمكن أن يتغيّر ويتبدّل بمجرّد وجود فرد صالح أو أفراد صالحين مشتتين في الدنيا، ولو كانوا في ذات أنفسهم من أولياء الله تعالى، بل ومن أنبيائه ورسله، إنّ الله تعالى لم يقطع ما قطع من المواعيد لأفراد متفرّقين مشتتين، وإنما قطعها لجماعة منسّقة متمتّعة بحسن الإدارة والنظام، بل إنّ مما لا مندوحة عنه لهذه الفئة المؤمنة أن تستمر في المكافحة والمناضلة لقوى الكفر والفسق على كل خطوة، من كلّ حلبة من حلبات الحياة الدنيا، وتثبت ما في نفسها من حب للحق، وكفاءة للاضطلاع بأعباء إمامة الأرض، ببذل التضحيات والمساعي في سبيل إقامة الحق، وذلك شرط لم يُستثن منه حتى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، فَأَنَّى لأحدٍ اليوم أن يتمنَّى على ربه أن يستثنه منه”. لم يكن المودودي ليسكت على الخطأ، بل كان يبادر إلى النقد الهادف، جريئًا في الحق، لا يخشى في الله لومة لائم، لا يغتر بالبهرج الكاذب، ولا ينخدع بالبريق الظاهر؛ فواجه بريق الحضارة الغربية، ودرسها دراسة متأنية، فوجدها تنحصر في العلمانية، والقومية، والديمقراطية، وهي أصنام ثلاثة صارت تُعبد من دون الله، وقد أنحى المودودي بمعوله حتى تحولت إلى أنقاض. وفي مجال الاجتهاد التشريعي، أفاض المودودي في أصول إسلامية ممتازة، وما أكثر ما خاض المودودي في تشخيص الدواء لما يشيع في جسم العالم الإسلامي من داء، كاتبًا ومحاضرًا ومؤلفًا ومحاورًا ومناظرًا، يقول: “الإسلام لا يزال يعطي الدليل على قوّته، فما قامت ثورة من ثورات التحرير الصادقة إلا اعتمدت على آيات القرآن وتوجيهات التشريع، وفي هذه الحركات التحريرية انتفاضات صادقة تحب الدين باطنًا وظاهرًا، وانتفاضات ادّعائية تنادي بالدين لتجذب إليها أعناق المؤمنين، وهي في باطنها الدّفين تخاصمه وتُظهر له العداء، ودليل ذلك أنها لا تعمل على تنفيذ شريعته” (عبد الله العقيل: من أعلام الدعوة والحركة الإسلاميّة المعاصرة، ص339، 340). 5- مجاله الدعوي والسياسي: في ظلّ هيمنة الاستعمار البريطاني على مفاصل الحياة بالهند، اهتمّ المودودي في سنّ مبكرة بالشأن السياسي والاجتماعي، وانعكس ذلك في مقالاته وهو لم يجاوز سنّ 16. وزاد اهتمامه بشكل أكبر لما انتقل إلى دلهي، والتقى كبار جمعية علماء الهند، وعلى رأسهم مفتي الديار الهندية الشيخان “كفاية الله” و”أحمد سعيد” وكانا من كبار جمعية العلماء بالهند، واحتكّ بحركة “المحافظة على الخلافة العثمانية” التي انطلقت سنة 1919 وكان قلمها والمدافع عنها في مقالاته. وأصدر عام 1932 مجلة “ترجمان القرآن” التي قامت بدور كبير في إشعاع الحركة الإسلامية والثقافة الإسلامية بالقارة الهندية، وكانت منبراً للمودودي وعدد من أعلام الفكر والدعوة بالقارة المذكورة، كما كانت مناراً للثقافة الإسلامية. 6- تأسيس الجماعة الإسلامية: وبدأ المودودي حركته الإسلامية التي تهدف إلى تعميق الإسلام لدى طبقة المفكرين المسلمين والدعوة إلى الإسلام، حتى أسس الجماعة الإسلامية في لاهور، وتم انتخابه أميرًا لها في أغسطس ١٩٤١م. وبعد ذلك بعامين في ١٩٤٣م نقلت الجماعة الإسلامية مركزها الرئيسي من لاهور إلى دار السلام – إحدى قرى بنها نكوت -، وكان المودودي طوال هذه الفترة لا يكفّ عن الكتابة والتأليف، فأصدر عدّة كتب من أهمّها: المصطلحات الأربعة الأساسية في القرآن، والإسلام والجاهلية، ودين الحق، والأسس الأخلاقية الإسلامية، وغيرها. ومع إعلان قيام دولة الباكستان في ١١ من شوال ١٣٦٦ هـ = ٢٨ من أغسطس ١٩٤٧م ، انتقل المودودي مع زملائه إلى لاهور؛ حيث أسسّ مقرّ الجماعة الإسلامية بها، وفي يناير ١٩٤٨م بعد قيام باكستان بنحو خمسة أشهر، ألقى المودودي أوّل خطاب له في كليّة الحقوق، وطالب بتشكيل النظام الباكستاني طبقًا للقانون الإسلامي. وظلّ المودودي يلحّ على مطالبة الحكومة بهذا المطلب، فألقى خطابًا آخر في اجتماع عام بكراتشي في مارس ١٩٤٨م تحت عنوان “المطالبة الإسلامية بالنظام الإسلامي”. وتضايقت الحكومة من توسع مطلبه بين الناس، فاعتقلته يوم 4 أكتوبر/تشرين الأول 1948 مع عدد من قيادات وأعضاء الجماعة، ولم تفرج عنهم إلا يوم 28 مايو/ أيار 1950. واعتقل المودودي مرة أخرى بعد أحداث عنف طائفي في لاهور يوم 28 مارس/آذار 1953، وأصدرت المحكمة العسكرية يوم 11 مايو/ أيار من العام نفسه حكماً بإعدامه بتهمة التأجيج الطائفي. وبعد سنوات قليلة، تمّ إعلان دستور جديد عام 1963، فأبطلت المحكمة العليا الحظر والاعتقال معاً، وأفرج عن الجميع في أكتوبر/ تشرين الأول من العام نفسه. 7- إسهامات المودودي العلمية: درس أبو الأعلى المودودي هذه الحضارة من مصادرها، وبيّن لأبناء أمّته بأسلوب مشرق متين أنّ الإسلام شيء آخر إنساني حضاري.. يقول المودودي: من عام 1929م إلى عام 1939م أفرغت العديد من خزانات الكتب والمراجع في ذهني استعدادًا للمهمّة الجديدة مهمّة الدعوة إلى الإسلام في عصر ملئ بالأفكار والتيّارات يفرض على الداعية أن يتزوّد بزاد كميّ علميّ سام وأن يحظى بعصا من البرهان يتوكّأ عليها ويهش بها على غنمه، ويحقّق بها المآرب الأخرى. (مجلة الاعتصام العدد 12 ذو الحجة، سنة 1399هـ). في هذه المرحلة ألّف الإمام المودودي مجموعة من أهمّ كتبه مثل: نحن والحضارة الغربية، والمسلمون وحركة تحرير الهند، ومبادئ الإسلام، كما ألّف كتابه الشهير (الجهاد في الإسلام)، في نحو الخامسة والعشرين من عمره. بلغ عدد مؤلفات المودودي (140) مصنفًا ما بين كتاب ورسالة، وأكثر من ألف محاضرة شملت موضوعات وقضايا مختلفة في العقيدة والمعاملات والفكر والتفسير والسياسة والاقتصاد وعدد من القضايا المعاصرة، ومن أبرز تلك المؤلفات: · حضارة الإسلامية (أصولها ومبادؤها). · نظرية الإسلام السياسية. · تجديد واحياء الدين. · مبادئ الإسلام. · الاصطلاحات الأربعة الأساسية في القرآن. · الإسلام والجاهلية. · نحن والحضارة الغربية. · مفاهيم إسلامية حول الدين والدولة. · أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة. · الحجاب. · تاريخ الدعوة الإسلامية في الهند وباكستان. · تفسير تفهيم القرآن – بدأ (1941م) وأتمه (1972م(. · الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية. · الدين الحق. · نظام الحياة في الإسلام ومبادئه الأساسية. · حقوق أهل الذمة. · مطالب الإسلام تجاه المرأة المسلمة. · قضية القاديانية. · سيرة النبي صلى الله عليه وسلم – بدأ 1392هـ (1972م). وهو آخر مؤلفاته وأتمه قبيل وفاته. وقد أُلّفت عن المودودي عدد من الدراسات والكتب منها: · أبو الأعلى المودودي حياته وفكره العقدي، حمد بن صادق الجمال. · أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية، محمد عمارة. فضلاً عن مؤلّفات أخرى عديدة، حظيت بشهرة عريضة في جميع أنحاء العالم ولقيت قبولاً واسعاً في قلوب المسلمين في شتّى البقاع: فترجم الكثير منها إلى العديد من اللغات. وقد بلغ عدد اللغات التي ترجمت مصنّفات المودودي إليها ست عشرة لغة، منها: الإنجليزية والعربية والألمانية والفرنسية والهندية والبنغالية، والتركية والسندية. وقد حظيت مؤلّفات المودودي بشهرة عريضة في جميع أنحاء العالم ولقيت قبولاً واسعاً في قلوب المسلمين في شتى البقاع فترجم الكثير منها إلى العديد من اللغات. 8- أقوال العلماء عن المودودي: أ- العلامة الدكتور يوسف القرضاوي: يقول: “المفكّر المجدد صاحب النظر العميق، والتحليل الدقيق، ناقد الحضارة الغربية على بصيرة، والداعي إلى نظام الإسلام على بينة صاحب الكتب والرسائل التي ترجمت إلى عشرات اللغات الذي وقف في وجه دعاة (التغريب) وأعداء (السنة)، والمنادين بنبوّة من المقلدين الجامدين.. مؤسس كبرى الجماعات الإسلامية في شبه القارة الهندية ” ب- المستشار عبد الله العقيل: العلّامة المودودي علم من أعلام الإسلام المعاصرين، ومفكّر من مفكريه، وداعية من دعاته، أتاه الله الحكمة وبعد النظر، والعمق في الفهم، والصبر على العلم والتأمل في الواقع، والدراسة الميدانية للأفكار الرائجة، والأوضاع السائدة، والتتبع لمصادر المعرفة وتمييزها وتوثيقها، والنقد الموضوعي لحضارة الغرب، بأخذ الصالح منها وطرح الضار، وتقديم الإسلام كحلّ المشكلات الحياة في جميع جوانبها”. (مجلة الجامعة الإسلامية – المدينة المنورة.( 9- الجوائز: منح العلامة المودودي جائزة الملك فيصل العالمية لخدمة الإسلام، وهي أوّل جائزة تُمنح لداعية إسلامي ومفكر، وتسلّمها بالنيابة عنه ابنه فاروق في حفل كبير رعاه الملك خالد بن عبد العزيز، بمدينة الرياض، في ربيع الأول سنة 1399هـ. 10- دراسات عن المودودي: – أبو الأعلى المودودي حياته وفكره العقدي حمد بن صادق الجمال (1401هـ، 1986م). – أبو الأعلى المودودي فكره ودعوته: د. سمير عبد الحميد إبراهيم (1399 هـ، 1979م) – أبو الأعلى المودودي والصحوة الإسلامية د. محمد عمارة (1407 هـ، 1987م(. – من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة المستشار عبد الله عقيل سليمان العقيل (1423هـ، 2002م). – أبو الأعلى المودودي حياته ودعوته: أليف الدين الترابي. – في ذكرى الإمام أبي الأعلى المودودي: مصطفى الطحان، مركز الدراسات الإسلاميّة. 11- وفاته: بعدما بعد مسيرةٍ حافلةٍ بالعطاء الفكريّ والدعويّ، تدهورت الحالة الصحيّة للإمام أبو الأعلى المودودي – رحمه الله – نتيجة معاناته مع أمراض الكلى والقلب، الأمر الذي اضطرّه إلى السفر إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة لتلقّي العلاج، حيث كان يعمل ابنه الثاني طبيباً هناك. وفي مدينة نيويورك، أسلم الروح إلى بارئها يوم 22 سبتمبر/أيلول 1979م، عن عمرٍ ناهز الخامسة والسبعين، بعد أن أفنى حياته في خدمة الفكر الإسلاميّ والدفاع عن قضاياه. ولم تكن وفاته حدثاً عابراً، بل تحوّلت جنازته إلى مشهدٍ مهيبٍ يعكس مكانته في قلوب المسلمين؛ إذ صُلّي عليه في عدّة محطّات أثناء نقل جثمانه من الولايات المتّحدة إلى باكستان، بدءاً من مطار نيويورك، مروراً بمطار لندن، ثم مطار كراتشي، وصولاً إلى مدينة لاهور، حيث كانت الصلاة الكبرى والأخيرة. وقد شهدت لاهور جنازةً حاشدةً قلّ نظيرها، إذ قُدِّر عدد المشاركين فيها بأكثر من مليون مشيّع، في مشهدٍ يعكس عمق تأثيره وانتشار فكره في أوساط العلماء والدعاة والمثقّفين. وقد حضر تلك الجنازة عددٌ من كبار العلماء، وفي مقدّمتهم الشيخ يوسف القرضاوي – رحمه الله – الذي ألقى كلمةً مؤثّرةً أمام الحشود، حين قال رحمه الله: ولم أر في حياتي تجمّعاً لصلاة أو لغيرها، مثل هذا التجمّع الذي كان على رأسه رئيس جمهوريّة علماء باكستان ودُعاتها ومثقّفيها يعرفون منزلة الرجل، ويُصدّرون فكره وفقهه وجهاده ووقوفه في وجه الحضارة الغربيّة الغازية. وإذا كانت الجنائز في التاريخ الإسلامي تُقاس أحياناً بما تحمله من دلالاتٍ رمزيةٍ على منزلة أصحابها، فإنّ جنازة المودودي تُذكّر بجنائز كبار الأئمّة، كجنازة الإمام أحمد بن حنبل (ت:241ه) في بغداد، والإمام ابن الجوزي (ت: 597ه)، والإمام ابن تيمية (ت: 728ه) في دمشق؛ حيث تجتمع الأمّة على تقدير العلماء الذين حملوا همّها، ودافعوا عن دينها، وتركوا أثراً باقياً في مسيرتها الحضاريّ. (ابن القرية والكتاب، (4/ 80).).
المراجع:
§ المودودي، الموسوعة العربيّة، أعلام ومشاهير، المجلد التاسع عشر، طبعة 2007، دمشق، رقم الصفحة ضمن المجلد 855. § موقع إسلام أون لاين: islamonline.net § أبو الأعلى المودودي.. داعية فوق السحاب، سمير حلبي، المكتبة الشاملة، shamela.ws/author/197 § مجلة المختار الإسلامي، ربيع الأول 1400هـ، ص 84. § حمد رجب البيومي: النهضة الإسلامية في سير أعلامها المعاصرين، دار القلم والدار الشامية 514/1. § مجلة الاعتصام العدد 12 ذو الحجة، سنة 1399هـ. § عبد الله العقيل من أعلام الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة ص 339، 340. § مجلة الجامعة الإسلامية – المدينة المنورة. § د سمير عبد الحميد، أبو الأعلى المودودي فكره ودعوته، ص: 155 156.




