عاممقالاتمقالات تربوية

حين اشتكى الرسول ﷺ: قصة هجر القرآن التي لا تزال تتكرر

أ. محمد العوامي

“تأمل في سر النداء الوحيد (يا رب)”

في لحظةٍ بالغة التأثير، سجّل القرآن الكريم نداءً نادراً ومؤلماً على لسان خير الخلق ﷺ، لم يكن نداء دعاء بالطلب كما اعتدنا من الأنبياء، بل كان شكوى… شكوى حزينة من هجر قومه للقرآن، فقال:
﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾ [الفرقان: 30]

سر النداء الوحيد: “يَا رَبِّ”
من اللفتات البلاغية المدهشة أن كل دعاء الأنبياء في القرآن جاء بصيغة “رَبِّ” بحذف ياء النداء، كقول نوح عليه السلام: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾، وموسى: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾. وحذف الياء في اللغة يوحي بالقرب الشديد والأنس، فلا حاجة لمناداة البعيد.
أما في هذه الآية، فقد جاء النداء صريحاً وممدوداً: “يَا رَبِّ”. وكأن الحزن الذي في صدره ﷺ لا تُطفئه المناجاة الهادئة فحسب، بل يصرخ به شكوى ونداءً، لما لقيه من إعراض قومه. ليست المسألة مجرد أسلوب بلاغي، بل تعبير دقيق عن الاستغاثة؛ ففي لحظة البث والألم، ارتفع الصوت بـ “يا”، وكأن الرسول ﷺ يقول: “أشكو إليك يا ربّ صراحةً ما لقيت من قومي، كيف هجَروا كتابك وهو النور والهدى”.

أقوال المفسرين في الشكوى:
تنوعت أوجه تفسير “هجر القرآن” لتشمل كل صور الإعراض، وإليك خلاصة ما قاله أئمة التفسير عبر العصور:
الإمام الطبري (ت: 310 هـ): ذكر أنهم تركوا العمل به، وقالوا فيه غير الحق من أنه سحر وشعر.
الإمام البغوي (ت: 516 هـ): بيّن أنها شكوى من الإعراض عن الإيمان به أصلاً وترك العمل بما فيه.
الحافظ ابن كثير (ت: 774 هـ): أشار إلى أن المشركين كانوا لا يُصغُون للقرآن، وكانوا إذا تُلي عليهم أكثروا اللغط حتى لا يُسمعوه (هجر السماع).
الشيخ السعدي (ت: 1376 هـ): وصفها بأنها نداء المتأسف على قومه الذين كان الواجب عليهم الانقياد لحكمه والإقبال عليه.
سيد قطب (ت: 1386 هـ): اعتبره “دعاء البث والإنابة”، حيث يشهد الرسول ربه على أنه بذل جهده ولكنهم لم يجعلوه دستور حياتهم.

خريطة أنواع هجر القرآن (الهجر الشامل)
لخص الإمام ابن القيم الجوزية رحمه الله (ت: 751 هـ) أنواع الهجر في خمسة أوجه شاملة، مؤكداً أن جميعها يدخل في وعيد الآية وإن كان بعضها أشد من بعض:
1. هجر السماع والإيمان به: وهو ترك الاستماع للقرآن جملةً، والإعراض عن التصديق به أو الإيمان بكونه حقاً من عند الله.
2. هجر العمل والوقوف عند حلاله وحرامه: أي ترك امتثال أوامره ونواهيه، حتى وإن كان الشخص يقرأ آياته ويؤمن بصحتها.
3. هجر التحكيم والتحاكم إليه: بأن يُهجر القرآن في أصول الدين وفروعه، ولا يُجعل حكماً في النزاعات أو دستوراً في الحياة والاعتقاد.
4. هجر التدبر والتفهم: وهو أن يكتفي الإنسان بالتلاوة اللسانية دون محاولة لفهم مراد الله من خطابه أو تفكر في معانيه.
5. هجر الاستشفاء والتداوي به: وذلك بترك طلب شفاء أمراض القلوب والأبدان من آياته، والبحث عن علاج الأدواء في غيره.

وقفة واعتبار (جرس إنذار لنا)
هذه الآية درس لنا، وجرس إنذار: لسنا بعيدين عن أن نكون من قوم الرسول ﷺ الذين اشتكى منهم، إن كنا نهجر القرآن في أي من هذه الأوجه الخمسة في واقعنا اليوم.
فلتسأل نفسك بصدق:
هل نفتح المصحف ونغلقه بلا فهم أو تدبر؟
هل نمرّ على الآيات مروراً بارداً لا يغيّر في سلوكنا شيئاً؟
هل تخلّد هذه الشكوى في كتاب الله ونحن لا زلنا نزيدها وقوداً بهجرنا؟

إن لم نكن ممن يقرأ القرآن، ويتدبر آياته، ويعمل بمقتضاه، فمتى سنستفيق؟
“اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا، وجلاء أحزاننا، ونور أبصارنا، ولا تجعلنا ممن اشتكاهم نبيك ﷺ بهجرهم لكتابك”.

Related Articles

Back to top button