اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

عروة الصلاة وأولوية الإصلاح

 

الشيخ د. بن سالم باهشام

عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين.

مقدمة

روى أحمد، والبخاري في تاريخه، وابن حبان، والطبراني، والحاكم، والبيهقي في شعب الإيمان، والضياء، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ، رضي الله عنه، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (لَتُنْقَضَنَّ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً، فَكُلَّمَا انْتَقَضَتْ عُرْوَةٌ تَشَبَّثَ النَّاسُ بِالَّتِي تَلِيهَا، وَأَوَّلُهُنَّ نَقْضًا الْحُكْمُ، وَآخِرُهُنَّ الصَّلَاةُ) [أخرجه أحمد (5/251، رقم 22214)، وابن حبان (15/111، رقم 6715)، والطبراني (8/98، رقم 7486)، والحاكم (4/104، رقم 7022)، وقال: صحيح. والبيهقي في شعب الإيمان (4/326، رقم 5277) . والطبراني في الشاميين (2/411، رقم 1602). قال الهيثمي (7/281): رواه أحمد، والطبراني، ورجالهما رجال الصحيح]. عُرَى الْإِسْلَامِ: مَا شَدَّ الْمُسْلِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ حُدُودِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ. [تحفة الأحوذي (ج7ص183)]، يعد هذا الحديث، بمثابة إنذار نبوي عميق، يصف تآكل الدين في الأمة الإسلامية. هذا الحديث الشريف لا يصف واقعاً مستقبلياً فحسب، بل يَحْمل في طياته دعوة صريحة للتأمل والعمل الجاد، للحفاظ على ما تبقى من هذه العرى. وفي ظل التحديات المعاصرة، يبدو أن الأمة تمر بمرحلة حرجة تتطلب تضافر الجهود، لإعادة إبرام آخر هذه العرى، وهي الصلاة، والتي تُعد عماد الدين وركنه الأساسي.
هذا الحديث النبوي، يرسم للأمة مساراً خطيراً من مسارات التراجع؛ إذ لا تسقط معالم الدين دفعة واحدة، وإنما تتفكك عراه شيئاً فشيئاً، حتى تبقى آخر عروة تربط العبد بربه، وهي الصلاة. وإذا كانت الصلاة هي آخر ما يبقى من عرى الإسلام، فإن التفريط فيها ليس تفريطاً في عبادة من العبادات فحسب، بل هو تهديد لآخر الحصون التي تحفظ هُوَية الأمة وإيمانها. ولهذا كانت الصلاة أول ما فرض الله من الفرائض، وأول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، وكانت الفاصل الأعظم بين الإيمان والكفر في نصوص كثيرة من الكتاب والسنة.
إن واقع الأمة اليوم، يفرض على أهل العلم والدعوة والتربية، وقفة جادة أمام ظاهرة التهاون بالصلاة، ولا سيما في صفوف الشباب والناشئة. فالأمة التي تضيع صلاتها، تضيع معها أخلاقها وقيمها وروحها، والأمة التي تحافظ على صلاتها، تمتلك أسباب النهوض والإصلاح. عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ

أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله، كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ: (إِنَّ أَهَمَّ أَمْرِكُمْ عِنْدِي الصَّلَاةُ، فَمَنْ حَفِظَهَا وَحَافَظَ عَلَيْهَا، حَفِظَ دِينَهُ، وَمَنْ ضَيَّعَهَا فَهُوَ لِمَا سِوَاهَا أَضْيَعُ…) [أخرجه عبد الرزاق (1/536، رقم 2037)، والبيهقي (1/445، رقم 1935)]، ومن هنا فإن الواجب للنهوض بالصلاة، لا يقع على فرد واحد، أو مؤسسة واحدة، بل هو مسؤولية جماعية، تتضافر فيها الجهود:
1 – مسؤولية العلماء والفقهاء في بيان أحكام الصلاة وفضائلها وخطر تركها.
2 – مسؤولية الوعاظ والخطباء في إحياء معانيها في القلوب.
3 – مسؤولية المفكرين والمربين في ربطها بمشروع النهضة والإصلاح.
4 – مسؤولية رجال التعليم في غرس محبتها في نفوس التلاميذ.
5 – مسؤولية الآباء والأمهات في تربية الأبناء عليها منذ الصغر، امتثالاً لقول النبي صلى الله عليه وسلم، روى أحمد، وابن أبي شيبة، وأبو داود، وأبو نعيم في الحلية، والحاكم، والبيهقي، والخرائطي في مكارم الأخلاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مُرُوا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين…) [أخرجه أحمد (2/180، رقم 6689)، وابن أبى شيبة (1/304، رقم 3482)، وأبو داود (1/133، رقم 495)، وأبو نعيم في الحلية (10/26)، والحاكم (1/311، رقم 708)، والبيهقي (2/229، رقم 3052)].
إن الأمة الإسلامية، لن تستعيد قوتها ومكانتها، إلا إذا بدأت بإبرام آخر ما انتقض من عرى الدين، وهو الصلاة. فإذا استقامت الصلاة، استقام ما وراءها، وإذا ضاعت الصلاة، ضاع معها كثير من الخير؛ ولذلك قال الله تعالى في سورة مريم:  ﴿ فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: 59]. فالصلاة ليست مجرد عبادة تؤدى، بل هي حياة القلوب، وسر قوة الأمة، وعنوان بقائها على صراط الله المستقيم.

أولا: التأصيل الشرعي ومكانة الصلاة:

الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام، تميزن عن سائر أركان الإسلام، أنها فرضت في السماء، وقدمت هدية لأمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، فهي معراج روحي لكل مصل، قال تعالى في سورة العلق: ﴿ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾  [العلق: 19]، وهي أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة. روى الحاكم عن أبى هريرة رضي الله عنه، وهو حسن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن أول ما يحاسب به العبد صلاته، فإن صلَحت صلَح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله…). [أخرجه الحاكم (1/394، رقم 965)، وقال: صحيح الإسناد، والنسائي (1/232، رقم 465)، والطبراني في الشاميين (1/101، رقم 151)]. وقد وصفها النبي صلى الله عليه وسلم بأنها الفارق بين المسلم والكافر، روى مسلم، عن أبي الزبير؛ أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنهما يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ، تَرْكُ الصَّلاَةِ) [رواه مسلم في صحيحه ج1/ص88 ح82]. إن مكانة الصلاة عظيمة في الإسلام، فهي ليست مجرد عبادة فردية، بل هي مظهر من مظاهر قوة الأمة وتماسكها. وضياع الصلاة أو التهاون فيها يؤدي إلى ضعف الإيمان، وتفكك الروابط الاجتماعية، مما ينعكس سلباً على جميع جوانب الحياة الفردية والجماعية.

ثانيا: شرح حديث (لتنقضن عرى الإسلام):

يشير الحديث إلى أن أحكام الإسلام وشرائعه ستتفكك وتزول شيئاً فشيئاً، وليس دفعة واحدة. و”النقض” يعني الحل والإفساد، بعد التئام الأمر، و”العُرَى” هي ما يُتمسك به من أمر الدين. وقد بين الحديث أن أول ما يُنقض هو “الحكم”، أي ترك الحكم بما أنزل الله، أو اتباع الأهواء في القضاء، وهو ما نراه جلياً في كثير من المجتمعات الإسلامية اليوم. أما آخر هذه العرى التي ستُنقض، فهي “الصلاة”، وهذا يعني أن الأمة إذا وصلت إلى مرحلة التهاون في الصلاة وتركها، فإنها تكون قد فقدت آخر معاقل التمسك بدينها.

ثالثا: نداءات موجهة لإعادة إبرام عروة الصلاة:

إن إعادة إبرام عروة الصلاة، تتطلب جهداً جماعياً منظماً، يشمل جميع فئات المجتمع، كلٌّ من موقعه:

1 – نداء إلى العلماء والفقهاء:

يا ورثة الأنبياء، يا حملة العلم الشرعي، إن الأمة اليوم أحوج ما تكون إلى توجيهكم وإرشادكم. عليكم مسؤولية عظيمة في تبيان مكانة الصلاة وفضلها، والتحذير من عواقب تضييعها. جددوا الخطاب، وقدموا الفتاوى التي تعالج قضايا العصر المتعلقة بالصلاة، وكونوا القدوة الحسنة في المحافظة عليها. فأنتم صمّام الأمان للأمة، وبكم تستقيم أمورها.

2 – نداء إلى الوعاظ والخطباء:

يا من تعتلون المنابر، ويا من تخاطبون القلوب، إن كلماتكم لها الأثر البالغ في توجيه الناس. اجعلوا من خطبكم ومواعظكم منبراً لإحياء شعيرة الصلاة. ذكروا الناس بفضلها، وحثوهم على أدائها في أوقاتها، وبينوا لهم كيف تكون الصلاة سبباً في صلاح الفرد والمجتمع. استخدموا الأساليب المؤثرة، والقصص الهادفة لترغيب الناس في الصلاة، وحذروا من التهاون فيها بأسلوب حكيم وموعظة حسنة.

3 – نداء إلى المفكرين والمثقفين:

يا أصحاب الأقلام النيرة، ويا من تشكلون الوعي العام، إن دوركم حيوي في تحليل أسباب العزوف عن الصلاة في العصر الحديث. قدموا رؤى فكرية عميقة تعالج هذه الظاهرة، واقترحوا حلولاً عملية تتناسب مع التحديات المعاصرة. ساهموا في بناء خطاب إعلامي وثقافي يعظم من شأن الصلاة، ويوضح أثرها الإيجابي على الصحة النفسية والاجتماعية للفرد والمجتمع.

4 – نداء إلى رجال التعليم والتربية:

يا بناة الأجيال، ويا مربي النفوس، إنكم تملكون مفاتيح المستقبل. اغرسوا حب الصلاة في قلوب أبنائنا وبناتنا منذ الصغر. اجعلوا من المناهج التعليمية والأنشطة التربوية وسيلة لتعزيز مكانة الصلاة. كونوا قدوة حسنة لطلابكم، وعلموهم كيفية أداء الصلاة بخشوع وتدبر، ليكونوا جيلاً صالحاً متمسكاً بدينه.

5 – نداء إلى الآباء والأمهات:

يا عماد الأسرة، ويا أساس المجتمع، إن صلاح الأبناء يبدأ من صلاح الأسرة. كونوا القدوة الحسنة لأبنائكم في المحافظة على الصلاة. علموا أبناءكم الصلاة، ومرّنوهم عليها، وتابعوهم في أدائها. اجعلوا من بيوتكم واحات إيمانية تُقام فيها الصلاة جماعة، وتُغرس فيها قيم التقوى والورع. فأنتم الركيزة الأساسية في بناء جيل يحافظ على عروة الصلاة.

رابعا: خطة عمل مقترحة للمبادرة بإعادة إبرام عروة الصلاة:

لتحقيق هدف إعادة إبرام عروة الصلاة، أقترح خطة عمل شاملة تتضمن المحاور التالية:

المحور الأول: التوعية والإعلام:

1 – الأهداف: زيادة الوعي بأهمية الصلاة ومكانتها.

2 – الأنشطة المقترحة: – حملات إعلامية مكثفة عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية والإذاعية تحت شعار “الصلاة.. العروة الوثقى”.

-إنتاج مواد مرئية ومسموعة (فيديوهات قصيرة، أناشيد، برامج حوارية) حول فضل الصلاة وعواقب تركها.

3 – الفئات المستهدفة: عامة الناس، الشباب، الأطفال.

4 – المؤشرات: – عدد المشاهدات والتفاعلات مع المواد الإعلامية.

-استبيانات لقياس مستوى الوعي.

المحور الثاني: التربية والتعليم

1 – الأهداف: غرس حب الصلاة في نفوس الناشئة

2 – الأنشطة المقترحة: – إطلاق برنامج “صلاتي حياتي” في المدارس والجامعات، يتضمن ورش عمل ومسابقات.

– تدريب المعلمين والمربين على أساليب تحبيب الصلاة للطلاب.

– دمج مفاهيم الصلاة وأهميتها في المناهج الدراسية.

3 – الفئات المستهدفة: الطلاب، المعلمون، المربون

4 – المؤشرات: – نسبة الطلاب الملتزمين بالصلاة.

– عدد المدارس والجامعات المشاركة في البرنامج.

المحور الثالث: تفعيل دور المسجد

1 – الأهداف: جعل المسجد مركز إشعاع تربوي واجتماعي

2 – الأنشطة المقترحة: – تنظيم دروس وندوات منتظمة في المساجد حول فقه الصلاة وأسرارها.

– إقامة حلقات تحفيظ القرآن الكريم مع التركيز على ربط الآيات بالصلاة.

– تخصيص أئمة وخطباء مؤهلين لتقديم التوجيه والإرشاد.

3 – الفئات المستهدفة: رواد المساجد، الشباب، الأطفال

4 – المؤشرات: – زيادة عدد المصلين في المساجد.

– عدد الدروس والندوات المنظمة.

المحور الرابع: الأسرة والمجتمع:

1 – الأهداف: تعزيز دور الأسرة في تربية الأبناء على الصلاة.

2 – الأنشطة المقترحة: – تنظيم دورات تدريبية وورش عمل للآباء والأمهات حول كيفية تحبيب الصلاة للأطفال.

– إطلاق مبادرات مجتمعية لتشجيع الصلاة الجماعية في البيوت والأحياء.

– توفير مواد إرشادية (كتيبات، مطويات، فديوهات…) للأسرة.

3 – الفئات المستهدفة: الآباء والأمهات، الأسر

4 – المؤشرات: – نسبة الأسر التي تقيم الصلاة جماعة.

– عدد المشاركين في الدورات التدريبية.

الخاتمة

إن مسؤولية إعادة إبرام عروة الصلاة، تقع على عاتق الجميع. فإذا تضافرت الجهود، وتكاملت الأدوار، وعمل كل فرد من موقعه بإخلاص وتفانٍ، فإننا نأمل أن تعود الأمة إلى سابق عزّها ومجدها، وأن تستقيم أمورها بصلاح صلاتها. فلتكن هذه المبادرة نقطة انطلاق نحو إصلاح شامل يعيد للأمة هيبتها وقوتها، ويحقق لها الفلاح في الدنيا والآخرة.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

 

Related Articles

Back to top button