عاممقالاتمقالات تربوية

وقفات تدبرية في قصة موسى والقبطي في سورة القصص

بقلم: د. علي محمد الصلابي

إنّ قصة موسى عليه السلام من أغنى القصص القرآنية بالدروس العقائدية والأخلاقية والإنسانية، فهي تكشف عن سنن الله في تربية القادة وصناعة المصلحين ومواجهة الظلم والطغيان والمستكبرين، ومن أبرز مشاهدها حادثة وكز موسى للقبطي كما وردت في سورة القصص، وهي حادثة تحمل أبعاداً متعددة تتصل بموقف المؤمن من الظلم، وحقيقة الانتصار للمستضعفين، وخطورة الغضب والتسرع، والاعتراف بالخطأ وصدق الرجوع إلى الله عند ارتكاب الذنب والإثم. قال تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾]القصص:١٥[.

  • ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ﴾: والمفهوم أنها العاصمة وقتئذ،فمن أي مكان جاء فدخلها؟ وهل كان من القصر في عين شمس؟ أم إنه كان اعتزل القصر والعاصمة، ثم دخل إليها.
  • ﴿عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ في وقت الظهيرة مثلاً حين تغفو العيون (سيد قطب،5/2681)، أو غير ذلك من الأوقات التي بها يغفلون عن الانتشار (السعدي، 3/1275)، أو متخفّ متنكر حتى لا يعرف، أو في الأوقات التي تخف فيها الحركة (نوفل، ص 248).

ويبدو من السياق القرآني أن موسى عليه السلام، كانت مواقفه تنفرج عن مواقف القصر، والرسميين وتنحاز بالتدريج يوماً بعد يوم للشعب المضطهد المقهور، فما كان لموسى عليه السلام أن يقر الظلم مطلقاً، فكيف يقرّه وهو واقع على شعبه؟ ومن حكمة الله في تربية أمه له، لا أن يحفظ فحسب، وإنما أن تحفظ ذاكرته وولاؤه وانتماؤه وتبنيه لقضية شعبه.

لقد أصبح موسى على مستوى القطر المصري أنه نصير المظلومين والمضطهدين والمقهورين ولسنا نقول هذا رجماً بالغيب، وإنما نقوله استشفافاً من النص الكريم.

إن الرجلين المقتتلين بمجرد أن رأى المظلوم منهما موسى عليه السلام استنجد به واستغاثه، وما كان ليفعل لو لم يكن يعلم أنه نصيره وأنه وليه وولي كل منتقصة حقوقه (نوفل، ص 249).

  • ﴿فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾:لقد فُوجئ موسى بالرجلين يَقتتلان وحدهما في ذلك الشارع على حين غفلة من أهلها، وكان أحدهما إسرائيلياً من ﴿شِيعَتِهِ﴾ أي: من قوم موسى وهم من بنو إسرائيل، وكان الآخر قبطياً فرعونياً ﴿مِنْ عَدُوِّهِ﴾.

هذا هو المشهد المتكرر في شوارع وأحياء وبيوت المدينة، فكثيراً ما تقع المناوشات بين الإسرائيليين المظلومين وبين الفراعنة الظالمين (الخالدي، 2/313).

  • وفي قوله تعالى: ﴿هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ﴾ إشارة إلى ترسخ روح الفصل بين الفئات بدل التعايش وروح الاستقطاب وانغلاق المجموعات على بعضها وعن بعضها، بدل الانفتاح والاندماج.

لقد تمزق النسيج الاجتماعي، وضربت شبكة العلاقات ليتم لفرد ممارسة طغيانه، وهو لا يرى ذلك متاحاً وممكناً إلا سياسة فرّق تسد، وتقسيم الشعب وإلهائه ببعضه وإشغاله بمشكلاته الداخلية؛ لأن الشعب إن اتحد وتفرّغ نهش في الحكم، فليظل منشغلاً بلقمة الخبز أولاً، ثم بالصراع البيني ثانياً؛ ولتتصدع رؤوس الناس من أجل أن ترتاح من الصداع رؤوس من في القمة.

المهم أن الرجل المستضعف بمجرد أن لمح موسى، فكأنما هبطت عليه نجدة من السماء أرسلها الله تعالى معيناً له، وغيثاً إلهياً جاء به القدر، فاستغاث الإسرائيلي بنصيره، فتدخل موسى لنصرة الضعيف وتخليص المظلوم، فدفع الظالم دفعة فقضت عليه، وشاء الله أن يتزامن انتهاء أجله مع دفعه موسى (نوفل، ص 350).

  • ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾: قال الإمام الراغب: الوكز: الطعن والدفع والضرب بجمع الكف (الأصفهاني، ص 882)، والوكز لم يرد في القرآن في غير هذا الموضع، فالوكز هو الضرب بمَجمع اليد، وذلك بأن يضم الضارب أصابعه نحو الداخل، ويوجه قبضته إلى خصمه ويضربه ضربة أشبه ما تكون بضربات الملائكة في هذا العصر، وكانت ضربة موسى قاتلة للقبطي، وكانت قاضية قضت عليه.

إن الأعمار والآجال بيد الله عز وجل وما أعمال البشر إلا أسباب مادية ظاهرة، فالله هو الذي قَدَّرَ إنهاء حياة القبطي في تلك اللحظة، وجعل من ضربة موسى سبباً مباشراً لموته.

لم يقصد موسى عليه السلام قتل القبطي، ولم يخطط ذلك ولم يتعمده، وهو لم يظلمه ولم يعتدي عليه، كل ما أراده موسى هو أن يردعه عن الإسرائيلي المظلوم، ويوقف عدوانه عليه، وما وكزه وضربه إلا وسيلة لذلك، والوكزة لا تقتل رجلاً في الغالب، لكنها إرادة الله وحكمته التي أنهت عمر القبطيّ لوكزة موسى له، وذلك ليحقق الله إرادته في ترتيب وتدبير الأحداث التالية كما قدّرها سبحانه.

والمهم أن موسى قتل القبطي الفرعوني، ونصر أخاه الإسرائيلي، وبعدما قتله شعَر بتسرّعه في فعله، وفعله ما لا يناسب له (نوفل، ص 250)، والمفهوم من التعبير في قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾، أنها وكزة واحدة كان فيها حتف القبطي، مما يشي بقوة موسى وفنونه، وصور كذلك انفعاله وغضبه ويعبّر عما يخالجه من الضيق بفرعون ومن يتصل به.

ويبدو من السياق أنه لم يكن يقصد قتل القبطي، ولم يعمد إلى القضاء عليه، فما كان يراه جثة هامدة بين يديه حتى استرجع وندم على فعلته وعزاها إلى الشيطان وغوايته، فقد كانت من الغضب، والغضب من الشيطان أو نفخٌ من الشيطان (سيد قطب، 5/2682).

  • ﴿هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾: ثم واصل موسى عليه السلام تبرؤه من الشيطان وعمله بأن وصف الشيطان بأنه: ﴿عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، فهو ليس بالعدو الساكن، ولكنه عدوّ متحرك له مخططات في رأسها الإضلال، وهو ليس بالعدو المستخفي، ولكنه العدو المستعلن البيّن.

إن موسى عليه السلام لم يقصد من قريب ولا من بعيد قتل المصري، ولكن هذا الذي حدث، فما كان من هذا العبد الأواب الرجاع إلى الحق إلا أن وصف العمل فوراً بأنه من عمل الشيطان، وهنا طبيعة الشخصية الإيمانية التي ترجع إلى الحق وتعترف بالذنب، بينما الشخصية الطاغوتية تأخذها العزة بالإثم، وتعالج الخطأ بمزيد من الأخطاء مثلما “عالج” إبليس إباء السجود، بتعهده وتوعده بإضلال الخلق جميعاً كما ضلّ هو (نوفل، ص 250).

وعَلَّق الشيخ الطاهر بن عاشور رحمه الله، وذلك بقوله:﴿قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾، إنما قال موسى عليه السلام ذلك؛ لأن قتل النفس مستقبح في الشرائع البشرية، فإن حفظ النفس المعصومة من أصول الأديان كلها، وكان موسى عليه السلام يعلم دين آبائه لعله بما تلقاه من أمه المرأة الصالحة في مدة رضاعه وفي مدة زيارته إياها، وجملة ﴿إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ﴾ تعليل لشدة غضبه من عمل الشيطان إذ لولا الخاطر الشيطاني لاقتصر على زجر القبطي، أو كفّه عن الذي من شيعته، فلما كان الشيطان عدو للإنسان وكانت له مسالك إلى النفوس، استدل موسى عليه السلام بفعله المؤدي إلى قتل نفس أنه فعل ناشئ عن وسوسة الشيطان، ولولاها لكان عمله جارياً على الأحوال المأذونة، وفي هذا دليل على أن الأصل في النفس الإنسانية هو الخير، وأنه الفطرة وأن الانحراف عنها يحتاج إلى سبب غير فطري وهو تخلل نزغ الشيطان في النفس (ابن عاشور، 20/90).

  • إن قتل النفس المعصومة مستقبحٌ ديناً وعقلاً، وإن حفظ الدين والنفس والعقل والعرض والمال مما أجمعت عليه الشرائع السماوية.
  • لم يسوّغ موسى عليه السلام قتله القبطيّ مع كونه مشركاً بل تاب منه، ومنه تعلم ضلال الذين يسوّغون قتل النفوس بالتأويلات الباطلة.
  • قتل الكافر الذي لا عهد له لا يجوز ومن جنسه الكافر الآمن الذي دخلت بلده بتأمينه وعلمه وإن كان فيه جورٌ، فإن موسى عليه السلام عدّ قتله الكافر ذنباً واستغفر الله منه ويعتذر عن الشفاعة الكبرى يوم القيامة بسببه، ويقول: إن قد قتلت نفساً لم أؤمر بقتلها (العمر، ص 45).

المصادر والمراجع:

  1. سيد قطب. في ظلال القرآن، القاهرة، دار الشروق، ط32، 1423ه/ 2003م.
  2. السعدي، عبدالرحمن بن ناصر. تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان)، السعودية، الدمام، دار ابن الجوزي، ط4، 1435ه.
  3. نوفل، أحمد. تفسير سورة القصص، عَمان، جمعية المحافظة على القرآن الكريم، ط1، 2015م.
  4. الخالدي، صلاح. القصص القرآني؛ عرض وقائع وتحليل أحداث، دمشق، دار القلم، ط4، 2016م.
  5. الراغب الأصفهاني، أبو القاسم الحسين بن محمد. المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، دمشق، دار القلم، ط 1، 1412 هـ.
  6. ابن عاشور، محمد الطاهر. تفسير التحرير والتنوير، تونس، دار سحنون للنشر والتوزيع، 1997م.
  7. العمر، ناصر بن سليمان. تدبّر سورة القصص، السعودية، الرياض، مركز تدبر للدراسات والاستشارات، ط1، 2017م.
  8. الصلابي، علي محمد. موسى كليم الله، دار ابن كثير.

 

Related Articles

Back to top button