ولوع المغلوب بالغالب عند ابن خلدون و القابلية للاستعمار عند مالك بن نبي

فرج كُندي
لا تسقط الأمم في قبضة الهيمنة الخارجية فجأة، ولا تُهزم في ميادين السياسة والعسكر قبل أن تُهزم في أعماق الوعي والنفس والثقافة. فالاستعمار العسكري والسياسي ليس إلا الحلقة الأخيرة في سلسلة طويلة من التحولات الداخلية التي تصيب الأمة حين تفقد ثقتها بذاتها ورسالتها الحضارية، وتصبح مستعدة لتلقي الأفكار والنماذج والقيم من الخارج بوصفها النموذج الأعلى الذي لا سبيل إلى مجاراته إلا بالتقليد والمحاكاة.
ومن هنا تبرز أهمية الربط بين ما قرره الإمام عبد الرحمن بن خلدون في مقدمته الشهيرة حول “ولوع المغلوب بالغالب”، وما قرره المفكر الجزائري مالك بن نبي في نظريته المعروفة بـ”القابلية للاستعمار”. فبين الرجلين ما يقرب من ستة قرون، لكنهما كانا يدرسان الظاهرة نفسها من زاويتين مختلفتين. كيف تتحول الهزيمة العسكرية والسياسية إلى هزيمة نفسية وثقافية؟ وكيف ينتقل الاستعمار من احتلال الأرض إلى احتلال العقل والوجدان؟
لقد وصف ابن خلدون المرض، ثم جاء مالك بن نبي ليشخص تطوره التاريخي في العصر الحديث، وليبين كيف أصبح هذا المرض أحد أهم أسباب تأخر العالم الإسلامي وخضوعه للهيمنة الأجنبية.
نظرية ابن خلدون في ولوع المغلوب بالغالب
يعد ابن خلدون من أوائل المفكرين الذين اكتشفوا القوانين النفسية والاجتماعية التي تحكم حركة الأمم والحضارات.
ومن أشهر القوانين التي قررها قوله: “إن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب”
وهذه العبارة ليست مجرد ملاحظة أخلاقية أو وصف عابر، وإنما قانون اجتماعي عميق يحاول تفسير سلوك الأمم بعد الهزيمة.
يرى ابن خلدون أن الإنسان إذا شعر بتفوق خصمه وقوته، فإنه يميل نفسياً إلى الاعتقاد بأن سبب هذا التفوق يكمن في خصائص ذلك الخصم وأفكاره وعاداته ونمط حياته. ومن ثم يبدأ في تقليده ظناً منه أن سر القوة يكمن في تلك المظاهر.
ولهذا نجد الأمة المهزومة:
– تقلد لغة المنتصر.
– وتتأثر بلباسه وهيئته.
– وتحاكي عاداته وتقاليده.
– وتتبنى رؤيته للعالم.
– وربما تتخلى عن كثير من مقومات شخصيتها الذاتية.
ويؤكد ابن خلدون أن هذه الظاهرة ليست ناتجة عن الإعجاب المجرد، بل عن شعور نفسي دفين بالدونية أمام الغالب؛ فالمنهزم لا يرى النصر ثمرة لأسباب موضوعية أو ظرفية، بل يربطه بشخصية المنتصر نفسها، فينشأ لديه اعتقاد بأن كل ما عند الغالب هو الأفضل والأرقى.
البعد النفسي في تفسير ابن خلدون
تكمن عبقرية ابن خلدون في أنه لم يفسر الظاهرة تفسيراً سياسياً فقط، بل ردها إلى بنية نفسية عميقة؛ فحين تتكرر الهزائم ويتراكم الإخفاق الحضاري، يبدأ الشعور بالنقص في التغلغل داخل الوعي الجمعي للأمة.
وعند هذه المرحلة يحدث تحول خطير: فبدلاً من أن تنظر الأمة إلى نفسها باعتبارها قادرة على التجديد والإبداع، تبدأ بالنظر إلى ذاتها باعتبارها سبب التخلف كله.
وتتحول الحضارة الأخرى من تجربة إنسانية قابلة للنقد إلى نموذج مقدس لا يجوز مساءلته، وهنا ينشأ التقليد الأعمى، ويصبح الإبداع استنساخاً، وتتحول التبعية إلى فضيلة، ويصبح الانسلاخ من الذات علامة على التقدم، ولهذا فإن أخطر نتائج الهزيمة ليست فقدان الأرض، بل فقدان الثقة بالنفس.
من ولوع المغلوب بالغالب إلى القابلية للاستعمار
إذا كان ابن خلدون قد وصف الأثر النفسي للهزيمة، فإن مالك بن نبي انتقل بالتحليل إلى مرحلة أكثر عمقاً وتعقيداً؛ فقد كان يعيش في عصر الاستعمار الأوروبي المباشر للعالم الإسلامي، ولاحظ أن الاستعمار لا يستطيع أن يفرض نفسه على أمة حية تمتلك مناعة حضارية قوية.
ومن هنا صاغ مفهومه الشهير: القابلية للاستعمار، ويرى مالك بن نبي أن الاستعمار ليس السبب الأول للتخلف، بل هو نتيجة لحالة داخلية سابقة عليه؛ فالمستعمر لا يصنع ضعف الأمة ابتداءً، وإنما يستثمر ضعفاً قائماً فيها، ولذلك كان يقول: «إن الاستعمار لا يدخل بلداً لأنه قوي فقط، بل لأنه يجد مجتمعاً قابلاً للاستعمار.»
وهنا ينتقل التحليل من الحديث عن المستعمِر إلى الحديث عن المستعمَر نفسه.
فالخلل الحقيقي عند مالك بن نبي يكمن في:
– تفكك المنظومة الأخلاقية.
– غياب الفاعلية الاجتماعية.
– انطفاء روح المبادرة.
– ضعف الوعي الحضاري.
– فقدان الرسالة التاريخية.
وعندما تتوافر هذه الشروط يصبح المجتمع مستعداً لاستقبال الهيمنة الأجنبية.
العلاقة بين النظريتين
يمكن القول إن نظرية مالك بن نبي تمثل امتداداً تاريخياً وتطويراً حضارياً لما قرره ابن خلدون، فابن خلدون يصف مرحلة ما بعد الهزيمة حين يبدأ المغلوب في تقليد الغالب.
أما مالك بن نبي فيصف: المرحلة التي تسبق الاستعمار وتواكبه حين يفقد المجتمع مناعته الحضارية فيصبح قابلاً للهيمنة.
وبعبارة أخرى: ابن خلدون درس الأثر النفسي للهزيمة، ومالك بن نبي درس البنية الحضارية التي تجعل الهزيمة ممكنة أصلاً، ولذلك فإن القابلية للاستعمار ليست سوى الصورة الحديثة لولوع المغلوب بالغالب لكنها أكثر شمولاً واتساعاً.
الاستعمار الثقافي أخطر من الاستعمار العسكري
يلتقي ابن خلدون ومالك بن نبي عند حقيقة مركزية، وهي أن السيطرة الحقيقية ليست سيطرة الجيوش، وإنما سيطرة الأفكار؛ فالاستعمار العسكري قد يخرج من الأرض أما الاستعمار الثقافي فقد يبقى داخل العقول لعقود طويلة.
ولهذا رأى مالك بن نبي أن كثيراً من المجتمعات الإسلامية خرج منها المستعمر، لكن بقيت داخله منظومته الفكرية وقيمه ونظرته للإنسان والتاريخ والحضارة، وهنا يتحول التقليد من سلوك فردي إلى بنية ثقافية كاملة، وتصبح الأمة مستقلة سياسياً، لكنها تابعة حضارياً، وتملك علماً مستورداً، لكنها لا تملك مشروعاً حضارياً مستقلاً.
الرؤية الإسلامية للظاهرة
إن القرآن الكريم سبق إلى تقرير هذه السنة الحضارية قبل ابن خلدون ومالك بن نبي بقرون طويلة.
فالقرآن يربط بين التغيير الخارجي والتغيير الداخلي: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾؛ فالانهيار الحضاري يبدأ من الداخل، والنهوض يبدأ من الداخل كذلك، ولهذا فإن الإسلام لا يفسر التخلف بالمؤامرة وحدها، ولا يفسره بالاستعمار وحده، بل يبحث أولاً عن مواضع الخلل في النفس والمجتمع.
كما أن الإسلام لا يدعو إلى الانغلاق الحضاري أو رفض الاستفادة من الآخرين، وإنما يفرق بين: الاقتباس الواعي، والتقليد التبعي؛ فالحكمة ضالة المؤمن لكن الاستلاب الحضاري مرض يصيب الأمم حين تفقد ثقتها برسالتها.
مظاهر ولوع المغلوب بالغالب في الواقع المعاصر
ما وصفه ابن خلدون وما حلله مالك بن نبي ما يزال حاضراً بقوة في واقعنا المعاصر، ويتجلى ذلك في: تقديس النموذج الغربي دون نقد. استيراد الحلول دون مراعاة الخصوصيات الحضارية الشعور بالدونية أمام المنتج الفكري الأجنبي. ازدراء التراث الإسلامي جملة واحدة. الاعتقاد أن النهضة لا تكون إلا عبر الذوبان في الآخر. تحويل التجربة الغربية من تجربة بشرية إلى مرجعية مطلقة، وهذه كلها أعراض لأزمة ثقة حضارية أكثر منها مظاهر تقدم حقيقي.
لقد اكتشفابن خلدون قانوناً نفسياً بالغ الأهمية حين قرر أن المغلوب مولع أبداً بالاقتداء بالغالب، ثم جاء مالك بن نبي ليكشف أن هذا الولوع ليس مجرد حالة نفسية عابرة، بل قد يتحول إلى بنية اجتماعية وثقافية تنتج ما سماه القابلية للاستعمار.
وبين النظريتين تتكشف لنا حقيقة كبرى من حقائق العمران البشري: أن سقوط الأمم يبدأ حين تفقد ثقتها بذاتها، وأن التحرر الحقيقي لا يتحقق بمجرد خروج المستعمر من الأرض، بل حين يخرج من العقول والنفوس، وتستعيد الأمة وعيها برسالتها، وثقتها بمقوماتها، وقدرتها على الإبداع الحضاري المستقل.
فالمعركة الكبرى ليست معركة الحدود، بل معركة الوعي، وليست أزمة الأمة في نقص الموارد أو قلة الإمكانات بقدر ما هي أزمة استعادة الإنسان الفاعل الذي يؤمن برسالته، ويستوعب سنن التاريخ، ويجمع بين أصالة المرجعية الإسلامية والانفتاح الواعي على منجزات الإنسانية.




