اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

🟨الصّلح بدل الحرب والإخاء الإنساني طريق إلى السَّلام

✍🏻/د. شيروان الشميراني
كاتب وباحث في الفكر الإسلامي من كردستان

▪️يواجه العالم المعاصر مشاكل جمة في صورة حروب كبيرة وصغيرة تدمّر كل شيء من دون رحمة، في حين جاء الدين من أساسه ليضع الإنسان على طريق الوئام والسلام. وهذا البحث يتناول الطريق إلى السلام من المنظور الإسلامي عبر الشروع بالحديث عن قيمة السلام لإنارة الطريق للمحاور الأخرى الرئيسة، وهي منع الحروب والممارسات التي تقوض السلم، وإثبات أن الصلح مقدّم حالما يكون ممكناً وما الحرب إلا للضرورة التي تستنفذ جهود تجنبها، تأتي العنصرية العِرقية والتعصب الديني في مقدمة الأسباب المفجرة للحروب، والدواء هو إعتماد الإخاء الإنساني والتعايش القائم على حقّ الاختلاف في طبيعة العلاقات العادلة بين المجتمعات بما أنّ السَّلام هو الأصل في العلاقات الخارجية. وخاتمة تتضمن أهم النتائج المستخلصة من البحث.

🟦 أولاً: عن قيمة السَّلام في الإسلام
1- لا أظن أن مفردة تحضر على لسان الإنسان المسلم في يوميات حياته عدا”لفظ الجلالة” كما هي كلمة السّلام، ولا غرابة في ذلك بما أنه من أسماء الله سبحانه،فهو:-
– كلمة اشتق منها إسم الدين الإسلامي.
– “وبالتسليم الذي يخرج به من الصلاة يقبل المسلم على الدنيا وأهلها إقبالاً جديداً من جهتي السلام والرحمة”.
– تحية المؤمنين الداخلين إلى الجنة،ونعمة ينعم بها الله تعالى أهلها،” تَحيَّتهُم فيها سَلام”[ يونس:10].
– وهو الموقف الذي يأخذه المسلم من الجاهل المشاكس بدل الدخول معه في حرب هو يبحث عنها” وإذا خاطَبَهُم الجاهلون قالوا سَلاماً”[الفرقان:63].
إن السلام في الفكر الإسلامي مفهوم كلي عام يشمل مجمل الحياة الإنسانية،”إبتداءً من الضمير والنفس ثم مع العالم الخارجي الذي يبدأ من الدائرة الصغيرة وهي الأسرة ثم مع المجتمع الذي يعيش فيه ثم السلام على مستوى العالم(2).
2- يشكل السّلام مادة للنزاع بين الإيمان والشيطنة،وبما أن السَّلام مأمور به من ربّ العالمين، فإن الشيطان يعمل على سحب الإنسان من دائرة الأمن والسلم إلى دائرة الحرب والعداء، وهو مفهوم الآية القرآنية:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ}[البقرة: 208 ]، فهي:”إعلان قرآني بوجود سلم عالمي تندمج فيه الإنسانية كافة”.وبما أن خطوات الشيطان مناقضة للسلام وهو يُفَعِّل وسائله لإغواء الانسان من داخل النفس، ففي المنهج الإسلامي يكون سلام النفس هو البذرة التي منها تكون البداية والنقطة المركزية التي تشكل الأساس لإنشاء السلام العام، ولهذا منع الإسلام الأسباب التي يعتمد عليها الشيطان في إلقاء العداوة والبغضاء في الخمر والميسر وأمرهم أن يقولوا التي هي أحسن لأن الشيطان ينزغ بينهم،وجعل العداوة والبغضاء جزاءاً عقابياً لمن ينسون حظّاً مما ذكروا به، ويسعون في الأرض فساداً،[المائدة:64].
3- السَّلام بدل الحرب والحوار بدل الصدام هو الأصل في العلاقات وهو المعتمد في الباب.
4- إن تأكيد النصوص القاطعة على السلم وشيوعه، ومنع الحروب وسدّ أبوابها والطرق الواصلة اليها، دليل يثبت على أن السلم والسلام من مقاصد هذا الدين الحنيف، وأنه متشوف للسلم،وأنه يعتبر”السلم قاعدة والحرب ضرورة”.

🟦 ثانياً: نبذ الحرب وتقديم الصلح عليها.
إن الأمر بالسلم والحثّ عليه لا يعني غير النفور من الحرب،لأنها تتناقض وغايات الإسلام التي تحققها لن يكون إلا مع السّلم العام، ورد في القرآن الكريم”وَإنْ جَنَحوا للسّلْمِ فَاجنَح لها وَتَوكّلْ عَلى الله”[الأنفال:61]، والجنوح هو الميل،”فالسلم هنا بدون خلاف هو ما يقابل الحرب، أي التصالح والعيش بأمان متبادل، فهو غرض مقصود مأمور به شرعاً”.
ولهذا كانت كراهة الإسلام للحروب وإطفاء نارها كلما أوقدوها، وهناك عناوين يُحرَّمُ خوض الحروب تحتها،”الحرب التي تكون لتفوق شعب على آخر ممنوعة…والتي تكون في سبيل إظهار القوة ممنوعة…والتي تكون لإستعمار الشعوب واستغلال خيراتها ممنوعة،وكل حرب هجومية – كيفما كان عنوانها- على جماعة مسالمة ممنوعة…والحرب التي تريد إكراه جماعة أو ملة على الخروج من دينها أو نظامها ممنوعة”.
إنّ الحرب الوحيدة التي أجازها الإسلام هي التي تكون من أجل السلام، دفعاً للظلم وحماية للمؤمنين من الاضطهاد الديني،” فإن يكن درءاً للعدوان والإفتيات على حقّ الحياة وحقّ الحرية، فالإسلام في كلمتين هو دين السلام”. ولو لم تكن هناك هذه الحماية للعقيدة لما كانت الشعوب تنعم بالأمن والأمان، لأن التعدي على قناعات الناس وأفكارهم شديدٌ وجعهُ، فعندما يغلي الإنسان من الداخل للظلم الذي يلقاه من الآخرين فإنّ حبل الصبر ينقطع، وحاسة الدفاع الفطرية تتحرك فتنشب الصراعات داخل المجتمع الواحد، فهي إذن دفع عدوان أو إتقاء هجوم، وماعدا ذلك فإن حماية الحياة وليس الموت أولى، لأن عدم تمني لقاء العدو وسؤال الله العافية مبدأ إسلامي.
وحتى هذا النوع من الحرب المشروعة هي للضرورة وتحكمها أحكام الضرورة المعروفة وتقدر بقدرها، ينبغي تجنبها ما بقي سبيل للسلم، وعند تحقيق الغاية وإنتفاء الحاجة اليها يجب أن تتوقف،وعند خوضها فإنّ عدم الإعتداء وإلتزامَ الحدود الأخلاقية المرسومة واجب.
هذه الحرب المجازة بحكم الضرورة إذا مُدَّت يدُ السلام الصادقة من الطرف المعتدي المحارب وهي مشتعلة، لا يجوز ردّها،لأن الصلح مقدَّم على الحرب، يقول محمد الطاهر بن عاشور:”فكون السلم من أسماء الصلح لا خلاف فيه بين أئمة اللغة وهو المراد من الآية أدخلوا في السلم كافة -“(8). وفي صلح الحديبية “استقبل رسول الله- صلى الله عليه وسلم- مفاوض قريش وهو أرغب ما يكون في موادَعة القوم، وإن كان قادراً على تحكيم السيف”.
إن رفض الحرب والتأكيد على قاعدة السلم هو إنسجام مع الغايات التي جاء الإسلام من أجلها منها:
عبودية الله وتبليغ دينه الى العالمين، لأن القناعة هي الأساس في قبول الإيمان، أي أن العداوة والأحقاد لا تساعد على التبليغ، ويشكل صلح الحديبية مثالاً لا يُرَد في هذا المجال وما حدث بعده من دخول الناس في دين الله أفواجا[سورة الكوثر]. فالحب والمودة وليس النفور والجفاء هي روح وسائل الدعوة إلى الله،والحرب تنفث الكراهية والشدّة لن تكون إلا مع العدوّ المحارب.
إن الإنسان الخليفة مكلف بإستعمارِ الأرض وبناءِ حياة آمنة فيها، والحرب نتائجها كارثية،فهي تأتي بالتخريب والتدمير، وعندما أخبر الله تعالى الملائكة إنه جاعل في الأرض خليفة، سألوا عن حكمة جعل القاتل الفاسد خليفة للرحمن الرحيم في أرضه، ومن معاني هذا الحوار في الملأ الأعلى أنْ لو كانت الغاية من خلق الانسان التقاتل والفساد لما كان من حاجة لذلك، لأن آخرين يفعلونها، لكن خلق الإنسان بإستعداد مودَع فيه قابل للخير والشرّ تحت بند المسؤولية دليل على أن الخير هو المطلوب، وأن الأمن هو المراد، “ومما يجب الإنتباه إليه وتدبره،أن الآية الكريمة التي تضمنت الدخول في السلم كافة،قد جاءت مسبوقة ومتصلة بالتحذير والوعيد الشديد لمن يهلك الحرث والنسل وينشر الفساد في الأرض”. والحرب لا تنتج شجرتها سوى الثمرات المرّة، وقد انتجتها وبكثرة ومن أبرز أسبابها”العنصرية والتعصب”.
ثالثاً:-داءُ العنصرية والتعصّب وتقويض السّلام
كثيرة هي الوسائل التي تؤدي الى نقض السّلم وتسبب في نشوب الحروب غير العادلة، وكثيرة هي الغايات التي تقف وراء شنّها، لكن هناك وضعان شبه ثابتان أدَّيا إلى حروب حوّلت كتل كبيرة من البشر إلى حطام، في الشرق والغرب على سواء، وهما العنصرية والتعصب،وأكثر ما يبرزان في ميادين العِرق والدين، العنصرية العِرقية والتعصّب الديني،الأولى تنتج حروباً قومية والثاني ينتج حروباً مقدسة.
العُنصرية تعود الى العُنصر وهو العِرق،”مذهب يفرق بين الأجناس والشعوب بحسب أصولها وألوانها ويرتب على هذه التفرقة حقوقاً ومزايا لعنصرهم أو لأصلهم العِرقي”،وهو سلوك فرعوني شبيه بالموقف الذي اتخذه من موسى -عليه السلام-عند وصفه له بالمهين، ويصطلح عليها في الأدبيات الفكرية والسياسية بالقومية.هذه العنصرية العرقية كانت طاغية في أوروبا وأنتجت حروباً مريعة بين الفرنسيين والألمان والإنكليز والشعوب الشرقية السلافية، والحروب الأهلية الأمريكية كانت مذبحة وحرب إبادة وتطهير عرقي وفصل عنصري في إبادة الهنود الحمر،وإستغلال العبيد-أفريقيا-بناء على اللون والتجارة بهم، وفي ألمانيا كانت العنصرية الآرية والإستعلاء العرقي على الآخرين.
التعصب الديني،سواء كان للأديان السماوية أو تلك التي من صنع البشر، والتعصب شعور مشترك يخلق وعياً عصبياً يشدّ الأفراد –القبيلة أو الدين-بعضهم الى بعض،وبه تكون الحماية والمناصرة –ظالماً كان أو مظلوماً-،”وللعصبية في عصرنا صور مختلفة منها…عصبية الرجل لبلده وجنسيته وطائفته ومذهبه”،حيث يأخذ التعصبُ الفكرَ المتشدّد ويحوله إلى آيدولوجيا مغلقة بعقل ديماغوجي يحمل كماً من الكراهية كافٍ لإيذاء الآخر، تتجلى في سلوك حاملها، وهو من أعظم مداخل الشقاق داخل المجتمع، يفجّرها من الداخل،كما فعلَ[الإضطهاد الدّيني-محاكم التفتيش]في أوروبا وبحق المسلمين-الموريسكيين- في الأندلس والحروب الصليبية،ومذابح البوسنة وسربرينيتشا، والذي يحدث في الهند من ظلم وسحق وإب.ادة جماعية جسدية للمسلمين من طرف المتطر/فين هو نموذج شاخص للعنف من خارج الأديان السماوية.
إنّ أسطورة شعب الله المختار التي تتعامل مع الخالق تعاملاً قوميّاً من منطلق ديني -وفق الفكر الص&يوني الي&ودي والمسيحي- على نقيض الكثير من الي&ود والمسيحيين المسالمين في العالم،جمعت بين قداسة الدين وقداسة الأرض على أن تكون تلك الأرض مقصورة لشعب معين بأمر إلهي، والباقيات من الأمم خَدَم،وإن لم يكونوا فهم حشرات لابدّ من تنظيف الأرض المباركة منهم،هذه الأسطورة المختلقة الممزوجة بأهداف إستعمارية سببت بمآسي تمتد لعقود من الزمن أهلكت الحرث والنسل وفسادٍ كبير في بيت المقدس وأكنافِهِ،تشكل مركز التهديد للسلام في الشرق الأوسط.
ولم يتوقف التعصب بين المختلفين من أتباع الأديان وإنما أحدث الفهم المنحرف والمتنطع له نزاعات داخل الدين الواحد تسمى بالطائفية، والطائفية هي إلتفاف أقلية حول شخص أو فكرة بتعصب غالباً يكون أعمى، يبدأ بعنف لفظيّ وينتهي بعنف عظليّ جسدي، يظهر في خطاباتها ترويج الكراهية على أساس المذهب والدين، كانت موجودة في التاريخ الأروربي بين البروتستانت والكاثوليك وبين الكنيستين الرومية واللاتينية، وموجودة داخل الدائرة الإسلامية تحت لافتة السنة والشيعة[ إيران والعراق ولبنان والبحرين وباكستان]وغيمٌ سوداء تغطي المنطقة بسببها، هذه الطائفية لم تتمسك بآداب وأصول الإختلاف، تحولت إلى عنف مجتمعي دموي وأضحَت مادة للمناكفات السياسية وسبيلاً للمنافع الشخصية، وأُفرِغت حتى من غاياتها الدينية المذهبية.
إنّ هذين العاملين أذاقا البشرية ويلاتٍ أكثر مما فعلت الحربان العالميتان، أريقت الكثير من الدماء جرّاءهما، وهما مرفوضتان،لقد أبطل الإسلام حروب العصبية الدينية،ومنع حروب التشفي والإنتقام للإساءات الأدبية (14)،وحرَّم الحميَّة الجاهية، كما لا توجد حروب موصوفة بالمقدسة في الفكر الإسلامي، والله ليس لقوم معين،فهو خالق كل شيء،وربّ العالمين، رحمته تسع الجميع.
ثمّ، إنّ الإسلام يتعامل مع الواقع ليسَ لمجاراته وإنما بغية صياغته وفق المباديء التي جاء بها، وإذا كان الإسلام يرى السلام هو الأصل، ويمنع الحروب التي هي مظاهر الداء إلا للضرورة التي تستنفذ فيها وسائل الصلح، فما هو الأساس الفكري والتربوي الذي يطرحه كبديل لإستئصال جذور العنصرية والتعصب من أجل خلق عالم مسالم؟.
رابعاً: الإخاء الإنساني ..
في القرآن الكريم نوعان من الخطاب، أحدهما موجه الى المؤمنين، والآخر موجه الى الناس أجمعين، فهو دين عالمي يخاطب الدائرة الإنسانية الواسعة، ولم يضع قيمة لأية إعتبارت أخرى، ومن هنا، يكون الدواء الإسلامي للأمراض التي تفتك بالبشرية وتحرمها من سعادة السلام من جانبي العنصرية العرقية والتعصب الديني، كالآتي:-
1- العودة بالبشرية الى الأصل والنسب الأول،”يا أيُّها النَّاسُ إتّقُوا رَبّكُم الّذي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَة وَخَلَقَ مِنْها زَوجَها وَبَثّ مِنْهُما رِجالاً كَثيراً وَنِساءً”،[النساء:1]، يقول صاحب تفسير المنار:”إنّ جميع الناس هم من نفس واحدة هي الإنسانية التي كانوا بها ناساً، وهي التي يتفق الذين يدعون الى خيرِ الناس وبرّهم، ودفعِ الأذى عنهم على كونها هي الحقيقة الجامِعة لهم”.
إن الخالق سبحانه قد خلق الانسان بمختلف الألوان والألسن والأقوام، هذه حقيقة كونية، فالتنوع العِرقي جَعلٌ إلهي وليس لأحد الإختيار في شيء منها، وفي كل ذلك بلا ريب مشاعر وأحاسيس وفيها ذوق للنفس، لكن مع لذة تُغفِل وقوة مشؤومة على حدّ تعبير سعيد النورسي، يعترف بها الإسلام ولا ينكرها،لكن ذلك بشرطين:-
أولاً:- أن لا تتحول تلك المشاعر إلى عنصرية يَستعلي بها صاحبها على الآخرين، فإذا لم يقبل الله التفاخر الذي أبداه وتباهى به إبليس على آدم مع إختلاف العُنصرَين،فكيف يقبل إفتخار آدمي بسبب نسبه أو حسبه أو قرابته على آدميّ آخر؟. وهو بتحوله إلى موقف سلبي إزاء الناس”مشؤوم مضرّ، يتربى وينمو بابتلاع الآخرين ويدوم بعداوة من سواه، وهذا يولد المخاصمة والنّزاع”(17). أثبت العلم الحديث أن 99٪ من الجينات هي مشتركة بين البشر، 1٪ فقط هي التي تختلف بينهما.
ثانياً:- أن يكون ذلك في سبيل التكافل والتعارف،”يا أَيُّها النّاسُ إنّا خَلَقناكُم مِن ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلناكُمْ شعوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفوا”[الحجرات: 13]، أيّ: خلقناكم طوائف وقبائل وأمماً وشعوباً كي يعرف بعضكم بعضاً وتتعرفوا على علاقاتكم الإجتماعية،للتتعارفوا فيما بينكم، ولم نجعلكم قبائل وطوائف لتتناكروا فتتخاصموا”(18). وبهذه الآية يقرّ القرآن مبدأ المساواة بين بني البشر كلهم وليس لمجموعة دون أخرى،وفي الحجّ لا مهرب للحجاج القادمين من أقوام مختلفة الألوان، ومتعدّدة الأعراق، ومتباينة الطبقات من اللقاء والتحادث للتطبيع النفسي، وهناك يتذكرون بلال الحبشي– الأسود-الذي اعتلى الكعبة التي هم يوطوفون حولها للأذان، بكل ما في ذلك الإعتلاء من معاني.
2- أما عن التعصب الديني، فعلاجه في أمرين: الحرية الدينية، وإقرار حق الاختلاف في الفكر وتجنب التشدّد المؤدّي الى العنف الجسدي أو الإجتماعي. فإن إشاعة السلام في هذا المجال تقف على:-
– الحرية الدينية، والتي تتضمن الإقرار بوجود أديان مخالفة ومؤمنين بها يمارسون ما يفرضه عليهم دينهم وتمظهراته الإجتماعية،والدفاع عن حريات تلك الأديان،وحماية رموزها من الإعتداء[الحج:40]، وحسن العشرة في علاقات اجتماعية كاملة –تشريع الزواج والإجتماع على المائدة من وسائل خلق المودة مع المختلفين في العقيدة-، والعمل المشترك من أجل خير الإنسانية،وإن كان من خلاف فالسلام هو الأصل وليس الحرب، والحوار هو أسلوب التواصل وليس الصدام .
– وعند حالات الحرب وهي الجانب الأسود من الحياة، فإن الجنوح إلى الصلح والمصالحة هو الواجب، وهو ما انتهجه رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، ففي وثيقة المدينة تعاهد مع الي&ود على الصلح والتعاون، ونصارى نجران، وصلح الحديبية مع الكفار،وهو ما فعله عمر بن الخطاب مع أهل إيلياء في بيت المقدس.
– والاختلاف داخل الدّين الواحد هو نتيجة عقلية طبيعية، فلم يخلق الله سبحانه العقول كلها بمستوى واحد، ولا زرع فيها توجهاً واحداً، بل جعل التفكير فريضة، ومن فكَّر يأتي بغير ما يأتي به الآخر في فهم النصوص لا سيما في الإسلام، يعيد الإمام”محمد عبده”ما حصل من نزاعات داخل الدائرة العلمية الإسلامية إلى الحسد بين أهلها وليس إلى الغيرة على الدين نفسه(19)، وبناء عليه: إنّ الحروب الطائفية المذهبية ممنوعة ديناً، وحضارياً لا تشكل أمة صاعدة بل طوائف متقاتلة.
3- لكن الإخاء الإنساني لن يتحقق بمجرد توفير أجواء الحرية،لأنها لا تثمر إذا لم ترافقها قيمتي العدل والمساواة، وبالعدل قامت السموات والأرض، العدل في الحقوق العامة والخاصة، وحينئذٍ ينعدم الظلم، ويشعر المختلفون أنهم إخوة لامتصارعين وبالتالي أبواب الحرب تُغلق بإحكام.
4- على هذا المنهج في الفهم وبهذه الروح يلاحق الإسلام أسباب الحروب القومية الضيقة والعصبية الدينية ويسدّ الباب عليها،وأُسُسَ النزاعات والخصومات فيعالجها، ويوجب التعايش القائم على حقّ الإختلاف بين الفرقاء، فدائرتا الدين والقوم من دوائر الأخوة الإنسانية،يقول مراد هوفمان:”السلام فرض أساسي في القرآن وينهى عن الحروب العدوانية،ومن السخف القول إن الإسلام يتحين الفرص للإنقضاض على المخالفين في أوقات السلم”.
إنّ مسألة السلام اكبر من السماحة مع أنها فضيلة أخلاقية، المنهج الإسلامي لا يعتمد على الجانب العقلي المجرد من أجل خلق عالم مسالم وديع، في الإسلام إن الأمن والأمان والسلم مع الآخرين عقيدة وفكر وتربية،ف”من آمن بالله على هدى هذا الدين فقد آمن بإله يرضيه من عباده أن يسلكوا سبيل المودة والسلام، ويسخطه من عباده ان أن يسلكوا سلوك العداوة والعدوان”.ولا غرابة في ذلك إذا كان استحصال النصيب البشري من صفات الله جلّ جلاله وأسمائه الحسنى من كمال الإيمان ومنها”السَّلام”.
الخاتمة
هكذا يفرض الإسلامُ السلامَ ولا يدعو اليه فحسب،قيمته في الإسلام كبيرة، لفظة لا تغيب عن اللسان ولا تغادر الأذهان، ومن أجل تثبيته كحالة دائمة يمنع الحروب ويسدّ نوافذها،فهي ممنوعة إلا حرب تأتي بالسلم وتحمي كرامة الانسان وفق شروطها وضوابطها، وفي العالم نشبت حروب استندت الى مبررات عرقية ودينية، خلقتها العنصرية والتعصب، ومع الإعتراف بالعاطفتين القومية والدينية لكن لا يمكن لهما أن تتحولا إلى وسيلة لتقويض الأمن والسلم المحليين أو العالميين،لأن الدين تحكمه قاعدة الحرية وفريضة التفكير وحق الإختلاف،والقومية تحكمها سنة التعدد، فهما من أجل التعاون والتكافل والتعارف وليس الخصام والتباغض، وكل حالة سوى ذلك تُنافي الوضع الذي يريده الإسلام للحياة،لأن غاياته لا تتحقق إلا مع السلم،كما أنّ حماية الحياة مقصد شرعي، وسؤال الله العافية نصيحة نبوية.

 

Related Articles

Back to top button