اجتماعيةعامقضايامقالاتمقالات الرأي

الأكثرية الخاطئة.. حين تصبح الجماهير سلاحا في يد الفساد

أ. مصباح الورفلي

من أكثر الأوهام رسوخا في الوعي الجمعي في كثير من المجتمعات الاعتقاد بأن الكثرة دليل على الحقيقة، وأن ما تؤيده الجماهير لا بد أن يكون صوابا، وبخاصة مع الآلة الإعلامية المضللة. وربما كان هذا الوهم من أخطر ما واجهته الرسالات السماوية وحركات الإصلاح عبر التاريخ؛ إذ كثيرا ما وقف أصحاب المبادئ أمام جموع غفيرة لم تكن تعادي الحق لذاته، وإنما كانت ترى العالم بعيون غيرها، وتفكر بعقول صاغتها الدعاية، وتحكمها مخاوف الحاضر أكثر مما تستشرف آفاق المستقبل.

لقد أقام القرآن الكريم ميزانا مختلفا تماما عن الموازين البشرية. فكما يقال “الحق لا يُعرف بالكثرة، وإنما يعرف بالدليل والهدى والبصيرة”. ولذلك تتكرر في القرآن أوصاف الأكثرية بصيغ تستوقف المتأمل: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾، ﴿ولكن أكثر الناس لا يعقلون﴾، ﴿وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين﴾، بل يبلغ الأمر ذروته في قوله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله إن يتبعون إلا الظن وإن هم إلا يخرصون﴾.

وهذه الآيات لا تؤسس لفلسفة تحتقر الجماهير، ولا تدعو إلى ازدراء الناس، وإنما تكشف طبيعة اجتماعية متكررة في كل زمن: أن الأكثرية، إذا غاب عنها العلم، وضعفت بصيرتها، واستسلمت للهوى أو التقليد أو الخوف، تصبح قابلة للانقياد أكثر من قابليتها للقيادة، وللتأثّر أكثر من قدرتها على التأثير.
وهنا يبرز السؤال الجوهري: لماذا تتكرر هذه الظاهرة في كل العصور؟
لأن عامة الناس لا ينطلقون -في الغالب- من قراءة إستراتيجية للمستقبل، وإنما من حاجاتهم الآنية ونتيجة ضغوط حياتهم اليومية. فالجائع والمسحوق يبحث عن رغيفه قبل أن يفكر في شكل الدولة وكيف ستصبح في المستقبل ،لسان حاله أحيني اليوم واقتلني غدا، والخائف يبحث عن الأمن قبل أن يناقش مبادئ الحرية، والفقير يريد ما يسد رمقه قبل أن يتأمل مشاريع الإصلاح الكبرى. وهذه طبيعة إنسانية لا ينبغي أن تكون محل ازدراء، لكنها تصبح مدخلا خطيرا عندما يستغلها أصحاب المصالح ومن يملكون الآلة الإعلامية.
وهنا يبدأ الدور الحقيقي لقوى الفساد.
فالفساد لا يعيش بالقوة المجردة، ولا يستمر بالسلاح وحده، وإنما يعيش قبل ذلك على صناعة الوهم، وإدارة الخوف، والتحكم في الوعي. إنه يُدرك أن سقوطه يبدأ يوم تتحرّر عقول الناس بالوعي، ولذلك لا يكتفي بإفساد المؤسسات، بل يسعى إلى إفساد إدراك الجماهير للواقع وتظافرها لتغييره.
إنه يصنع عدوا وهميا إذا احتاج إلى توحيد الناس خلفه، ويضخم خطر الإصلاح حتى يبدو تهديدا للاستقرار، ويصوّر أصحاب المبادئ على أنهم دعاة فوضى، أو أصحاب أطماع واستغلاليون براغماتيون أو عملاء، أو مغامرون لا يقدرون عواقب الأمور.
ولعل القرآن قد رسم هذا المشهد بأدق صورة في قصة فرعون.
فلم يقل سبحانه إن فرعون انتصر لأنه كان أقوى جندا و سلاحا، وإنما قال: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه﴾.
إنها كلمة تختصر فلسفة الاستبداد كلها.
لم يبدأ فرعون بتقييد الأيدي، بل بدأ بتغييب العقول، لأن العقل الحر أخطر على الطغيان من السيف.
وحين جاء موسى عليه السلام لم يناقشه الملأ بالحجة، وإنما خاطبوا الجماهير بالخوف، فقالوا: ﴿أتذر موسى وقومه ليفسدوا في الأرض﴾.
لقد قلبوا المعادلة؛ فصار المصلح مفسدا، وصار المستبد حاميا للاستقرار.
وهذه ليست حادثة تاريخية عابرة، بل سنة اجتماعية تتكرر كلما واجه مشروع إصلاح بنية فاسدة متجذرة.
وليس المقصود بالفساد هنا مجرد الرشوة أو سرقة المال العام، بل كل منظومة تستفيد من بقاء الناس أسرى الجهل، أو الانقسام، أو الخوف، أو العوز. فهذه المنظومات تعلم أن الجماهير الواعية أخطر عليها من الجيوش، وأن الكلمة الصادقة قد تهدم ما تعجز المدافع عن هدمه.
ولهذا فإنها لا تواجه أصحاب المبادئ مواجهة مباشرة دائما، وإنما تجعل الجماهير نفسها خط الدفاع الأول عنها.
تدفعهم إلى مقاومة من يريد إصلاح أحوالهم، وتوهمهم أن بقاء الواقع الفاسد أقل ضررًا من تغييره، وتزرع في نفوسهم أن كل مشروع نهضوي مغامرة غير مأمونة.
وهكذا تتحول الأكثرية -من حيث لا تشعر- إلى حارس للمصالح التي تستغلها.
وهنا تكمن المأساة.
فالمشكلة ليست في الجماهير، وإنما في الوعي الذي يُصنع لها.
ولهذا فإن الأنبياء لم يخوضوا معاركهم ضد الناس، وإنما خاضوها لتحرير الناس.
وكانت معركتهم الأولى مع الأصنام الفكرية قبل الأصنام الحجرية، لأن الإنسان إذا استعبد عقله، فلن تنفعه حرية الجسد.
ومن يتأمل التاريخ يدرك أن أعظم التحولات لم تبدأ بأكثرية، وإنما بدأت بقلة امتلكت وضوح الرؤية، وثبات المبدأ، وطول النفس. ثم ما لبثت تلك القلة أن صنعت أكثرية جديدة بعد أن حررت العقول من سلطان الوهم.
ولذلك فإن أصحاب المبادئ يقعون أحيانًا في خطأ لا يقل خطرًا عن خطأ خصومهم، حين يتعاملون مع الجماهير بوصفها خصما يجب الانتصار عليه، لا إنسانا يحتاج إلى الفهم والإقناع والصبر.
فالناس لا يولدون أعداء للحقيقة، وإنما قد تحجبهم عنها ظروفهم، أو حاجاتهم، أو بيئاتهم، أو ما يتعرضون له من تضليل متواصل.
ولهذا فإن مشروع الإصلاح الحقيقي لا يبدأ بإسقاط الخصوم، وإنما يبدأ ببناء الإنسان.
إنه يبدأ من تحرير العقل من الخوف، وتحرير الإرادة من الحاجة، وتحرير الضمير من التبعية، حتى يصبح الإنسان قادرا على أن يختار الحق لأنه حق، لا لأنه رأي الأكثرية أو إرادة الأقوياء.
إن أخطر ما يصنعه الفساد أنه يجعل الناس يظنون أنهم يدافعون عن أنفسهم، بينما هم في الحقيقة يدافعون عن قيودهم.
وأعظم ما يصنعه الإصلاح أنه يرد للإنسان حريته الداخلية قبل أن يرد له حقوقه الخارجية.
ولذلك فإن معركة الوعي ستظل هي المعركة الفاصلة في كل مشروع نهضوي. فمن امتلك وعي الناس امتلك مستقبلهم، ومن ترك عقولهم نهبا للدعاية، فلن تنفعه سلامة المبادئ ولا صدق الشعارات.
ولعل هذه هي الرسالة العميقة التي يبعثها القرآن في كل عصر: ليس كل ما تؤيده الأكثرية حقا، وليس كل ما تحاربه الأكثرية باطلا. فالحق سابق على العدد، والهدى سابق على الإجماع، والميزان الذي أنزله الله لا يعرف الكثرة معيارا، وإنما يعرف البصيرة والعدل والدليل.
ولهذا كان واجب المصلحين ألا ينشغلوا بعدِّ الأنصار بقدر انشغالهم ببناء الإنسان، لأن الجماهير التي تُستثار بالخوف يمكن أن تُستنقذ بالوعي، والأكثرية التي تُقاد اليوم خلف الباطل قد تصبح غدا أعظم قوة تنصر الحق إذا أزيل عنها حجاب التضليل، وأبصرت الأمور على حقيقتها.

 

Related Articles

Back to top button