عاممقالاتمقالات الرأيمقالات تربوية

📚 القيم الحضارية في السيرة النبوية وأثرها في بناء الأوطان 📚

♕ المحاضر : الأستاذ إبراهيم بن ساسي
🟨​ الاستهلال
​بسم الله الرحمن الرحيم
​الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات والصلاة والسلام على من بُعث بالخير والبر والرحمات وعلى آله وصحبه ومن سار على دربه إلى يوم الدين
​أصحاب الفضيلة ، أيها الحضور الكريم ، رواد هذا الصرح الحضاري العظيم (جامع الجزائر)
السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته
​ونحن نستروح في هذه الأيام المباركة أريج الذكرى الرابعة والستين لعيد استقلالنا الوطني المجيد ، لا يسعنا في هذا المقام الإيماني إلا أن نترحم بخشوع وإجلال على شهدائنا الأبرار ، الذين صنعوا بذوب جُهدهم، وجميل اجتهادهم ، وعظيم تضحياتهم حرية هذا الوطن ، فاسترجعوا للجزائر سيادتها وكرامتها
والحمد لله ، فالرّحم الجزائرية لا تزال ولادة مباركة ، ولا تزال سواعد أبنائها تصنع التميز واليسر والفرج بعد كل ضيق وشدة ولله درّ شيخنا العارف بالله عبد الرحمن الثعالبي -رحمه الله- إذ يقول :
​إِنَّ الجَزَائِرَ فِي أَحْوَالِهَا عَجَبُ
وَلَا يَدُومُ بِهَا لِلنَّاسِ مَكْرُوهُ
مَا حَلَّ عُسْرٌ بِهَا أَوْ ضَاقَ مُتَّسَعٌ
إِلَّا وَيُسْرٌ مِنَ الرَّحْمَنِ يَتْلُوهُ
​🟥 القيمة القيم الحضارية
​أيها الأفاضل ، إن حديثي معكم في هذه السانحة المباركة يتمحور حول القيم الحضارية في السيرة النبوية ، وهل لنا من قدوة ونحن نشيد صرح أمتنا ونحمي استقلالنا غير الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ فهو المنهج ، وهو النبراس :
​فِي ضَمِيرِي دَائِمَاً صَوْتُ النَّبِي أأَمِراً : جَاهِدْ وَكَابِدْ
صَائِحاً : غَالِبْ وَطَالِبْ وَادْأَبِ
صَارِخاً : كُنْ أَبَداً حُرَّاً أَبِي
كُنْ قَوِيّاً بِالضَّمِيرِ وَالبَدَن
كُنْ عَظِيماً فِي الشُّعُوبِ وَالزَّمَن
كُنْ سَوَاءً مَا اخْتَفَى وَمَا عَلَن
كُنْ عَزِيزاً بِالعَشِيرِ وَالوَطَن
🟪 مفهوم القيم
​أيها الحضور الكريم :
القيم هي تلك الركائز والمبادئ والمعايير الثابتة التي تنبع من وحي السماء وتستقر في الفطرة الإنسانية السليمة لتوجيه سلوك الفرد وضبط بوصلة المجتمع نحو الحق والخير والجمال
​امّا القيم الحضارية : فهي تحويل تلك المبادئ النظرية والأخلاق المجردة إلى مشاريع عملية ، وممارسات مجتمعية ، ومؤسسات فاعلة تسهم في عمران الأرض ، ورفعة الإنسان وبناء الأمم على قواعد متينة من العلم والعدل والحرية.
​ 🟦 البيئة الجاهلية وإشراق الفجر المحمدي
​لعله من أسرار اختيار الجزيرة العربية مهداً لرسالة الإسلام هو موقع مكة الاستراتيجي ، وصفاء فِطرتها ، فمع ما كان عليه العرب من جاهلية وأميّة وحروب قبلية طاحنة ، إلا أن بيئتهم بقيت أقرب إلى الفطرة الإنسانية الأولى مقارنة بالعالم من حولهم الذي كان غارقاً في الفوضى والظلمات والانحطاط.
​فبينما كانت بلاد فارس تنخرها الأوهام الفلسفية والوساوس الدينية التي أودت بهم إلى الانتكاس الأخلاقي وكانت إمبراطورية الرومان محكومة بلغة القوة العسكرية الغاشمة والغطرسة الاقتصادية، والمظالم الجبائية، وكانت بلاد اليونان أسيرة الخرافات والأساطير الكلامية الجوفاء التي أعاقتها عن السمو الإنساني ، وكانت الديانة الهندية تعيش أحط أدوارها اجتماعياً وخلقياً قبيل فجر الإسلام ، جَاء الإسلام ليبني على ما كان عند العرب من بقية مكارم كالشجاعة ، والنجدة والعفة ، ونصرة المظلوم ، وهو ما لخصه نبينا صلى الله عليه وسلم بقوله : «إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق». فغدت سيرته الشريفة وتصرفاته الحكيمة هي الأصل الجوهري لكل حضارة راقية.
​يقول المستشرق الاسكتلندي السير ويليام موير في شهادته المنصفة :
​”امتاز محمد صلى الله عليه وسلم بوضوح كلامه، ويُسر دينه ، وإنه أتم من الأعمال ما يدهش الألباب ، فلم يشهد التاريخ مصلحاً أيقظ النفوس وأحيا الأخلاق، ورفع من شأن الفضيلة في زمن قصير كما فعل محمد صلى الله عليه وسلم”
​فَاقَ النَّبِيِّينَ فِي خَلْقٍ وَفِي خُلُقٍ
وَلَمْ يُدَانُوهُ فِي عِلْمٍ وَلَا كَرَمِ
​🟩 المنهجي للقيم الحضارية المنتقاة
​أيها السادة الأفاضل : وتأسيساً على ما سبق سأنتقي في النقطة الثانية من هذه المداخلة مجموعة من القيم الحضارية العظمى المبثوثة في السيرة النبوية ، والتي تشتد حاجتنا إليها اليوم لحماية استقلالنا وبناء جزائرنا المشرقة:
​01 💥 قيمة المقاومة والذود عن مصالح الناس والمدافعة
​ونحن نعيش ظلال عيد الاستقلال ، نؤصل لهذه القيمة بوصفها أم القيم الحضارية وأولها في سياقنا هذا
إن المقاومة في السيرة النبوية لم تكن مجرد رد فعل عسكري ، بل كانت “مدافعة حضارية” لحماية الكيان ، والذود عن بيضة الدين وحراسة مصالح الناس العامة والخاصة
إنها قيمة التضحية التي تجسدت في بيعة العقبة ، وفي الهجرة وفي الغزوات
حيث علمنا المصطفى صلى الله عليه وسلم أن الوطن والكرامة والحرية حِمىً مصون لا يُفرط فيه ، هذه المدافعة هي التي امتدت عبر الأجيال لتلهم سواعد أجدادنا في الثورة التحريرية المباركة ، وهي ذاتها القيمة التي توجب علينا اليوم المقاومة الفكرية والاقتصادية والعلمية للحفاظ على أمانة الشهداء وبناء الوطن والذود عن مصالحه العليا.
​02 💥 قيمة العلم المعرفية والدبلوماسية
​لا شك أن العلم هو الركيزة الأولى لبناء الحضارة في المنهج النبوي ، إذ ربط الإسلام الإيمان بالمعرفة ، فأول صيحة للسماء في الأرض كانت:: (اقْرَأْ) ولنا في تجسيد هذه القيمة مثالان بالغا الأهمية :
​المثال الأول: فداء أسرى بدر ، حيث حدد النبي صلى الله عليه وسلم فداء الأسير المتعلم بتعليم عشرة من غلمان المدينة
فأي بعد حضاري أسمى من تقديم محو الأمية وبناء العقول على كسب المال والمغانم المادية !
​المثال الثاني: أمره صلى الله عليه وسلم لزيد بن ثابت بتعلم لغة اليهود (العبرية أو السريانية) فتعلمها في نصف شهر ، وهذا يؤسس مبكراً لـ “الدبلوماسية العلمية” والانفتاح المعرفي الذكي لحماية الدولة والتواصل مع العالم
​وهو ما نحتاجه اليوم كباحثين ورجال تربية ودعاة وأئمة ، وفي هذا السياق نثمن عالياً استراتيجية وزارة الشؤون الدينية والأوقاف في ربط أئمتنا وإطاراتنا بـ “الثقافة الرقمية والعصرنة” عبر رقمنة المكتبات المسجدية وتوظيف الوسائط الحديثة لنشر الخطاب الوسطي المعتدل والتحصين من التحديات والأفكار الدخيلة بما يضمن أمننا الفكري والعقدي
​03 💥 قيمة الحوار وإعمال العقل
​يعد الحوار في السيرة النبوية أداة حضارية لإرساء اللين والتسامحه والإقناع بالحجة. ويتجلى ذلك في حواره صلى الله عليه وسلم العبقري مع الشاب الذي جاء يطلب رخصة للزنا لم ينهرْه النبي ولم يعنّفْه ، بل خاطب عقله ووجدانه متسائلاً : «أتحبه لأمك؟.. لأختك؟.. لابنتك؟..». حتى طأطأ الشاب رأسه قائلًا : “لا والله يا رسول الله” فوضع النبي يده الشريفة على صدره ودعا له: «اللهم اغفر ذنبه ، وطهر قلبه وحصن فرجه». فتحول الشاب من ذروة الرغبةب في المعصية إلى ذروة بغضها
​إننا أحوج ما نكون اليوم إلى هذا الأسلوب الحواري الرفيق والمرافقة الواعية مع شبابنا وبناتنا ، فهم يعيشون عصراً بتحديات فكرية معقدة فالعالم اليوم مستهدف بسياقات أخلاقية غريبة تحاول هدم الفطرة الإنسانية وتفكيك الأسرة عبر الترويج لـ “المثلية الجنسية” وفرضها، وهنا يجب أن تتضافر جهود المسجد ، والأسرة، والمنظومة التربوية، والإعلام ، والمؤسسات الحكومية لصد هذا الخطر وسحق هذا السرطان الفكري والدفاع عن قيمنا.
​04 💥 قيمة المرأة وتكريمها الإنساني والجهادي
​لقد جاء الإسلام ليكرم المرأة ويصونها بعد عقود من الامتهان الجاهلي ، معلناً ركيزته الخالدة: «النساء شقائق الرجال». والتاريخ الإسلامي والجزائري حافل بعطاءات المرأة فقد سطر التاريخ دور “جميلات الجزائر” وبطولاتهن القيادية والجهادية في دحر المحتل الغاصب ، مثلما سطر الأدوار العلمية لـنسائنا على غرار المحدثة الفاضلة صفية بنت محمد (أم الحياء البسكرية) من أعلام القرن التاسع الهجري ، التي ذكر السخاوي أنها درست عن الحافظ العراقي ألفيته ، ومهما حاولت ريح التغريب والتمييع العبث بمكانة المرأة تحت مسميات تمدن زائفة ، فإن وعي المرأة الجزائرية كفيل بالحفاظ على هويتها ودينها ، ولله در الشاعر محمد غزيل -رحمه الله- ناصحاً :
​أُخْتَاهُ مَا لِي أَرَاكِ رَاضِيَةً
عَمَّا يُخَطِّطُهُ لَنَا أَعَادِينَا
فَدِينُكِ السَّمْحُ أَعْطَاكِ الحُقُوقَ
لَيْسَتِ الأُخْرَى وَفِي شَتَّى المَيَادِينَا
​05 💥 قيمة التنمية المستدامة والأبعاد الاقتصادية والبيئية
​تتجلى الأبعاد الحضارية في السيرة النبوية في تنظيم الأسواق ، وتطهير المعاملات من الربا وتشجيع الإنتاج، فمنذ الأيام الأولى للهجرة أسس النبي صلى الله عليه وسلم مبدأ التكافل الاقتصادي عبر المزارعة والمشاركة بين المهاجرين والأنصار حفظاً للكرامة الإنسانية ، كما رسخ الرسول صلى الله عليه وسلم قيمة “الأمن البيئي والتشجير” كعبادة حضارية ممتدة حين قال: «إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة ، فإن استطاع أن لا تقوم حتى يغرسها فليغرسها». ففي الغرس استمرار للحياة وحماية للإنسان والبيئة.
​06 💥 قيمة العفو والتسامح ، والوحدة الوطنية
​إن العفو والتسامح في المنهج النبوي هما صمام الأمان لبناء مجتمعات معافاة من الأحقاد لنتأمل مشهد فتح مكة حيث وقفت الأعناق مشرئبة والقلوب فزعة تنتظر حكم المنتصر فما كان من لسان الرحمة المهداة إلا أن قال : «ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا : أخ كريم وابن أخ كريم. فقال : اذهبوا فأنتم الطلقاء» ولنتأمل حواره الاستقصائي والقضائي الحكيم مع الصحابي حاطب بن أبي بلتعة رصي الله عنه حيث قدم النبي مبدأ حسن الظن ومعرفة الفضل لأهل السوابق والجهاد على تسرع الأحكام العاطفية حامياً الجبهة الداخلية للمجتمع
​إننا مدعوون اليوم لرفع شعار العفو والصفح بيننا أفراداً وجماعات وأن يقيل بعضنا عثرات بعض :
​إِذَا كُنْتَ فِي كُلِّ الذُّنُوبِ مُعَاتِبًا
صَدِيقَكَ لَمْ تَلْقَ الَّذِي لَا تُعَاتِبُهْ
فَعِشْ وَاحِدًا أَوْ صِلْ أَخَاكَ فَإِنَّهُ
مُفَارِقُ ذَنْبٍ مَرَّةً وَمُجَانِبُهْ
⬛ ​الخاتمة والدعاء الجامع
​أيها الحضور المباركون إن ما يجمعنا في هذا الوطن العزيز أكبر وأعظم بكثير مما يفرقنا. فلنعمل فيما اتفقنا عليه ، وليعذر ويرافق بعضنا بعضاً فيما اختلفنا فيه. ولنحذر أشد الحذر من دعاوى الجاهلية الجديدة ، من جهوية ، أو عصبية، أو قبلية، أو عرقية، فكلنا لآدم وآدم من تراب، وما جمعته يد الله بتوحيد دينه وحب أرضه ، لا تفرقه يد الشيطان الخبيثة.
​لنعرف لعلمائنا ومراجعنا فضلهم وحقهم، فالجزائر كما هي أرض الشهداء ، فهي أرض العلماء والقراء والمفسرين الذين طبقت شهرة علمهم المشارق والمغارب.
​اللهم تقبل منا واغفر لنا ولوالدينا ولمن علمنا ولمرشدينـا.
​اللهم اجعل القرآن العظيم ربيع قلوبنا وجلاء همومنا وأحزاننا وعلمنا منه ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علماً.
​اللهم اجعلنا بالصلاة على رسول الله من المسبحين المستغفرين الفائزين الموفقين ، الذاكرين الشاكرين.
​اللهم احفظ هذا الصرح العظيم (جامع الجزائر)، واجعله منارة علم وتربية وتكوين، وبارك في شيخه وأعوانه وإدارته وعمّاره وقرّائه ومدرسيه وزائريه.
​اللهم احفظ للجزائر دينها، ولغتها، ووحدتها، وأمنها، وجيشها وسائر جنودها، ورد كيد أعدائها في نحورهم ، ووفق قادتها وولاة أمرها وارزقهم البطانة الصالحة التي تدلهم على الخير.
​اللهم أنزل علينا الغيث النافع ولا تجعلنا من القانطين.
​اللهم احفظ أهلنا المرابطين على عتبات الأقصى المبارك وروابي غزة الصامدة، وكن عوناً للمسلمين المستضعفين في كل مكان.
​وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
سبحانك اللهم وبحمدك ، أشهد أن لا إله إلا أنت ، أستغفرك وأتوب إليك.
وسلام على المرسلين ، والحمد لله رب العالمين

Related Articles

Back to top button