اجتماعيةعاممقالاتمقالات تربوية

حين تكون خدمة الرجل لأهله من السنّة لا منقصةً للرجولة

الشيخ د. سالم الشيخي
من القضايا التي يحتاج الخطاب الإسلامي المعاصر إلى تحريرها بهدوء وإنصاف: قضية إعانة الرجل لأهله في البيت. فقد غلب على بعض المتأثرين بما يمكن تسميته بالمنهج الذكوري المنسوب زورًا إلى الإسلام فهمٌ مضطرب لهذه المسألة، حتى ثقل عليهم مجرد القول إنّ من حسن العشرة، ومن هدي النبوة، أن يعين الرجل زوجته أحيانًا في بعض شؤون المنزل، بل وصل الأمر ببعضهم إلى تصوير مشاركة الزوج في بعض أعمال البيت، كإعداد الطعام أو قضاء بعض الحاجات المنزليّة، على أنّها مما لا يليق بالرجال، أو مما يقدح في الرجولة والقوامة، ثم استندوا في ذلك إلى بعض النقول عن أهل العلم بعد أن أُخرجت من سياقاتها العلميّة والفقهيّة، وسوف أفرد لذلك حديثًا مستقلًّا-بإذن الله تعالى- في موضع آخر.
والمقصود هنا التنبيه إلى أصل مهم، وهو أنّ إعانة الرجل لأهله في البيت ليست مذمّة، ولا ضعفًا في الرجولة، ولا انقلابًا على القوامة، بل قد تكون من السنّة، ومن حسن الخلق، ومن تمام التواضع، ومن أسباب المودّة بين الزوجين.
ومن أجمل ما قرأت في ذلك من كلام المعاصرين كلام الشيخ ابن عثيمين- رحمه الله- إذ قال في شرحه لحديث عائشة -رضي الله عنها- في وصف حال النبي صلى الله عليه وسلم في بيته:
“ومن تواضع النبي صلى الله عليه وسلم أنّه كان في بيته في خدمة أهله، يحلب الشاة، ويخصف النعل، ويخدمهم في بيتهم؛ لأنّ عائشة سئلت: ماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يصنع في بيته؟ فقالت: (كان في مهنة أهله)، يعني في خدمتهم عليه الصلاة والسلام.
فمثلًا: الإنسان إذا كان في بيته، فمن السنّة أن يصنع الشاي لنفسه، ويطبخ إذا كان يعرف، ويغسل ما يحتاج إلى غسله، كل هذا من السنّة، أنت إذا فعلت ذلك تُثاب عليه ثواب سنّة، اقتداءً بالرسول عليه الصلاة والسلام، وتواضعًا لله عز وجل؛ لأنّ هذا يوجد المحبة بينك وبين أهلك، فإذا شعر أهلك أنك تساعدهم في مهنتهم أحبوك، وازدادت قيمتك عندهم، فيكون في هذا مصلحة كبيرة”.انتهى من شرح رياض الصالحين (3/529).
ومن المهم هنا التنبيه إلى أمر يقع فيه بعض الناس، وهو الاستدلال بكلام بعض أهل العلم في مسألة خدمة المرأة لزوجها على نفي مشروعيّة خدمة الرجل لأهله أو على ذمّها. وهذا خلط ظاهر بين مقامين مختلفين:
المقام الأول: البحث الفقهي في حكم خدمة المرأة لزوجها: هل هي واجبة عليها؟ وما حدود ذلك؟ وما أثر العرف والحال والقدرة؟.
المقام الثاني: البحث في سلوك الرجل مع أهله، وهل من السنّة والمروءة وحسن العشرة أن يعينهم ويخدمهم ويشاركهم بعض شؤون البيت؟.
فالكلام في المقام الأول لا يصحّ أن يُجعل دليلًا على نفي المقام الثاني، ولا أن يُوظَّف لتجريم كل مشاركة منزلية من الزوج، أو تصويرها على أنها تنازل عن رجولته أو سقوط لمقامه.
ولهذا فإنّ ما ينقله بعضهم عن ابن القيم رحمه الله في هذا الباب لا بدّ من وضعه في سياقه الصحيح؛ فإنّ ابن القيم كان يتكلم عن الخلاف الفقهي في خدمة المرأة لزوجها، وهل هي من الحقوق الواجبة عليها أو لا، فذكر أقوال العلماء وأدلتهم في هذا الباب، ولم يكن بصدد تقرير أنّ خدمة الرجل لأهله مذمومة، أو أنّها خلاف الرجولة، أو أنّ قيامه ببعض شؤون البيت نقص في حقه، فاقتطاع كلامه من سياقه، ثمّ تسخيره لتغذية خطاب ذكوري جاف، هو من سوء الفهم للنصوص ولأقوال العلماء معًا.
وهذا نص كلامه رحمه الله:
“فاختلف الفقهاء في ذلك -أي في خدمة المرأة لزوجها-، فأوجب طائفة من السلف والخلف خدمتها له في مصالح البيت، وقال أبو ثور: عليها أن تخدم زوجها في كل شيء، ومنعت طائفة وجوب خدمته عليها في شيء، وممن ذهب إلى ذلك مالك والشافعي وأبو حنيفة وأهل الظاهر، قالوا: لأنّ عقد النكاح إنما اقتضى الاستمتاع لا الاستخدام وبذل المنافع، قالوا: والأحاديث المذكورة إنما تدل على التطوع ومكارم الأخلاق، فأين الوجوب منها؟.
واحتج من أوجب الخدمة بأنّ هذا هو المعروف عند من خاطبهم الله سبحانه بكلامه، وأمّا ترفيه المرأة وخدمة الزوج وكنسه وطحنه وعجنه وغسيله وفرشه وقيامه بخدمة البيت فمن المنكر، والله تعالى يقول: (ولهن مثل الذي عليهن بالمعروف) [البقرة: 228]، وقال: (الرجال قوامون على النساء) [النساء: 34]، وإذا لم تخدمه المرأة، بل يكون هو الخادم لها، فهي القوامة عليه”. انتهى كلامه.
فتأمل كيف حكى ابن القيم عدم وجوب خدمة المرأة لزوجها عن أئمة كبار تمثل مذاهبهم مذهب جمهور الفقهاء، من المالكية والشافعية والحنفية والظاهرية، مما يدل على أنّ المسألة عنده مطروحة في سياق فقهي متعلق بحقوق الزوجين وحدود الخدمة الواجبة، لا في سياق تقرير مذمة خدمة الرجل لأهله أو التنفير منها، وسوف أبين في مقالة قادمة أنّ ابن القيم رحمه الله يميل إلى اعتبار العرف والمعروف وأحوال الزوجين في تقدير ما يدخل في الخدمة وهو الذي يترجح عند النظر.
وقد قال الإمام العراقي- رحمه الله- في طرح التثريب:
“وقد رجّح أصحابنا الشافعية في الزوجة التي يجب إخدامها: أنّ الزوج لو قال أنا أخدمها لتسقط مؤنة الخادم عني، ليس له ذلك، وعللوه بأنها تستحي منه، وتُعيَّر به. وقال بعض أصحابنا: له ذلك، وبه قال أبو إسحاق المروزي، واختاره الشيخ أبو حامد، وقال القفال وغيره: له ذلك فيما لا يُستحى منه، كغسل الثوب، واستقاء الماء، وكنس البيت، والطبخ، دون ما يرجع إلى خدمتها كصب الماء على يدها وحمله إلى المستحم”. انتهى.
فتأمل في كلام الإمام القفال، وكيف أدخل جملةً من الأعمال المنزلية -كغسل الثوب وكنس البيت والطبخ- في جملة ما لا يُستحى من مباشرة الزوج له، وهو ما يفيد أن مثل هذه الأعمال لا تُعد في نفسها منقصةً في حق الرجل.
وختامًا، فإنّ الرجولة الحقيقيّة لا تنتقصها خدمة الأهل، بل قد تزداد بها كمالًا؛ لأنّها حينئذٍ تكون رجولةً ممزوجةً بالتواضع، والرحمة، وحسن الخلق، وفهم السنة، وإدراك أنّ الحياة الزوجيّة ليست ساحة لإثبات السلطة، بل ميدانًا للسكن، والمودة، والتعاون، وبناء الأسرة على ما يحبه الله ويرضاه، ويصدق على كثير من هذه التكلّفات التي يطرحها بعض المتأثرين بالمنهج الذكوري ما قاله ابن عقيل الحنبلي رحمه الله:” ما أدري ما أقول في هؤلاء المتشدقين في الشريعة بما لا يقتضيه شرع ولا عقل؛ يقبحون أكثر المباحات، ويبجلون تاركها”. الآداب الشرعية والمنح المرعية لابن مفلح (3/239).

Related Articles

Back to top button