لا تكن من سبأ أو قريش

أ. فرج كريكش
وجباتنا اليومية المعتادة في ليبيا بخلاف الأعياد والجُمَع والمناسبات السعيدة لا تتجاوز في الغالب الرز والمكرونة والهناء ،
نعم الهناء لأنه لا شيء يكسر ظهر الأب بعد كل معاناته وكده وتعبه وتحمله للأذى والمنغصات مثل تذمر أولاده أو زوجته وقولهم لن نصبر على طعام واحد !
وبهذه المناسبة دعني أحذرك من أن تكون من بني إسرائيل أو من سبأ أو أن تكون من قريش!!
لا تظن أن بني إسرائيل عندما تذمروا من وجبات المن والسلوى التي كانت تأتيهم بخدمة توصيل مجانية من السماء ، لا تظن أنهم كانوا يمارسون رفاهية الاختيار من قائمة وجبات على تطبيق الكتروني في هاتف نقال ،
كلا إنهم كرهوا التعامل مع الله واتهموه في مواضع أخرى كثيرة بأنه فقير ويداه مغلولتان فإياك أن تتهمه بذلك وأنت تحسب أنك من الشاكرين
إن الرضا هو أبلغ تعابير الشكر ومالم تكن راضيا فإن كل تسابيح الحمد الرقمية والكلاسيكية لا تساوي شيئا
فكم من حامد لله بلسانه بينما أفعاله وتشوفاته وتذمره وتسخط مشاعره تكذب ذلك أو تناقضه !
ليست العبرة في أن قيمة رصيدك في البنك من ثلاثة أصفار أو أربعة أو خمسة أو ستة أو اثنى عشر
وإنما في كونها حلالا
فإذا تشوفت لما بين يدي السُراق وهي بالحرام فسيقال لك اهبط إلى سوق الرشا والفساد فإن لك ما تمنيت وتشوفت
إنَّ اللَّهَ ليَرضى مِن العبدِ أن يأكُلَ الأَكلَةَ فيحمَدَهُ عليها ويشرَبَ الشَّربَةَ فيحمَدَهُ علَيها
لا تتأفف من طعامك اليومي فيقال لك ( وضربت عليهم الذلة والمسكنة ) فالأمر خطير ويفسد عليك حياتك ويعطل رزقك وأنت لا تدري وقد يهوي بك سبعين خريفا في مكان سحيق
عندما تتجول بسيارتك المهترئة في مدينتك الهانئة التي تعرفك جيدا وتحفظ طعم رائحتك من بعيد فاحمد الله على نعمائه ولا تقل
( ربنا باعد بين أسفارنا ) وتذكر سبأ وفيضانها العرم قبل أن تستفيق على رماد وخمط وأثل وشيء من سدر قليل !
سألت أحد أصدقائي عن حاله فقال : روتين قاتل لا جديد يذكر ولا قديم يعاد
قلت : يا صديقي إن هذا الروتين الذي لا يعجبك هو الإيلاف الذي امتن الله به على قريش وهو غاية أمنيات بعض العائلات في العراء وفي الشتات والمخيمات فلا يرى الله منك هذا العمى عن عافيته وحفظه فيسخطك ويبتليك بما يجعلك تتأمل الصور القديمة وتبكي على الماضي الجميل
تذكر أن الله ينظر بعين رحمته للراضين ويأمر لهم بالزيادة وينظر للمتسخطين المتذمرين ويخلي بينهم وبين أصنامهم
الطموح جميل ولا شك ولكنه لا يُنال بالتأفف والاعتراض .
ولو أنك استطعت أن تضبط أوتار أمنياتك بما يحسّن نغم أعمالك وتصوراتك لجعل الله غناك في قلبك وأتتك الدنيا وهي راغمة
أما من أساء الظنّ بالله ولم يرجع، فقد يجد نفسه يوماً يتساءل: أنا كيف وصلت إلى هنا؟ والجواب كان دائماً في تلك اللحظة التي لم تشكر فيها ربك على طبق الرز.
سلسلة مقالات كيمياء السعادة




