التواضع مفتاح الرفعة… دروس تربوية من سورة غافر

أ. محمد العوامي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد ﷺ، الذي ربّى أمته على التواضع، وحذّرها من الكبر، وجعل ميزان التفاضل بين الناس التقوى والعمل الصالح.
من أعظم مقاصد القرآن الكريم تزكية النفوس وتطهيرها من أمراض القلوب، ومن أخطر تلك الأمراض الكبر؛ لأنه يحجب صاحبه عن قبول الحق، ويدفعه إلى احتقار الناس، ويورثه العناد والمجادلة بالباطل.
وقد كشفت سورة غافر هذا الداء في قوله تعالى:
﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ ۙ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ ۚ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾
[غافر: 56]
تبين الآية أن منشأ المجادلة بالباطل ليس دائمًا ضعف الدليل، بل قد يكون دافعها مرضًا مستقرًا في القلب، وهو الكبر. ولذلك قال سبحانه: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ﴾، فبدأ بالقلب؛ لأن السلوك الظاهر ثمرة لما استقر في الباطن. فإذا امتلأ القلب تواضعًا كان أقرب إلى قبول الحق، وإذا امتلأ كبرًا حال ذلك بين صاحبه وبين الهداية، مهما قامت أمامه البراهين.
ثم جاء الحكم الإلهي القاطع: ﴿مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾، ليقرر سنة ربانية خالدة، وهي أن من طلب الرفعة بالاستعلاء على الناس فلن يبلغها، وأن العزة الحقيقية لا تنال بالجاه ولا بالمال ولا بالسلطان، وإنما يمنحها الله لعباده المؤمنين المتواضعين.
ولهذا قرر النبي ﷺ هذه القاعدة بقوله: «وما تواضع أحد لله إلا رفعه»، فكلما ازداد العبد تواضعًا لله تعالى، ازداد رفعة عنده وعند الناس. وفي المقابل، بيّن ﷺ حقيقة الكبر فقال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»؛ أي رد الحق بعد ظهوره، واحتقار الناس والنظر إليهم باستعلاء.
ومن يتأمل القرآن يجد أن الكبر كان سبب هلاك أمم كثيرة؛ فإبليس استكبر عن السجود، وفرعون حمله الكبر على ادعاء الربوبية، وقارون أورثه غروره أن نسب النعمة إلى نفسه، فكانت عاقبتهم جميعًا الخسران. وفي المقابل، كان الأنبياء والصالحون أكثر الناس تواضعًا، فرفع الله ذكرهم، وجعلهم أئمة يُقتدى بهم.
وتختم الآية بقوله تعالى: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾، لتبين أن علاج الكبر يبدأ باللجوء إلى الله، فهو مرض قلبي لا ينجو منه العبد إلا بتوفيق الله، ومجاهدة النفس، وكثرة الدعاء، ومحاسبة القلب. ولذلك كان النبي ﷺ يكثر من سؤال الله الثبات، وهو أكمل الناس تواضعًا.
وفي واقعنا المعاصر قد لا يظهر الكبر في صورة سلطان أو مال، بل قد يتسلل إلى الإنسان من خلال علمه، أو منصبه، أو شهرته، أو نجاحه، أو حتى أعماله الدعوية. وربما بدا متواضع المظهر، لكنه يأنف من الاعتراف بالخطأ، أو يزدري آراء الآخرين، أو يرفض النصيحة، فيكون قد وقع في شيء من الكبر الذي حذرت منه الآية.
ومن أهم الدروس التربوية التي نستفيدها من هذه الآية:
* أن الكبر من أخطر أمراض القلوب، لأنه يحجب صاحبه عن قبول الحق.
* أن التواضع هو الطريق الحقيقي إلى الرفعة في الدنيا والآخرة.
* أن قبول النصيحة والرجوع إلى الصواب من علامات قوة الإيمان.
* أن الاستعاذة بالله، ومجاهدة النفس، ومحاسبتها، من أعظم وسائل الوقاية من الكبر.
* أن احترام الناس وحسن التعامل معهم من ثمار التواضع الصادق.
إن سورة غافر تعلمنا أن الرفعة لا تُنال بالاستعلاء، وإنما بالتواضع، وأن من تواضع لله رفعه، ومن تكبر وضعه الله. وما أحوجنا اليوم إلى أن نغرس هذا الخلق في أنفسنا وأبنائنا ومجتمعاتنا، حتى يسود الاحترام، ويُقبل الحق، وتسمو الأخلاق، وتتحقق الرفعة التي وعد الله بها عباده المؤمنين.
ونسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الكبر والعجب والرياء، وأن يرزقنا التواضع له، وحسن الخلق مع عباده، إنه ولي ذلك والقادر عليه.




