قصاصة ورق تبرئ الذمة… أم عدالة غائبة؟

أ. مصباح الورفلي
في كتب التراث، ولا سيما في النوادر التي حفظها لنا الأدب العربي، نجد صورا ساخرة لإدارات كانت تشدد في صغائر الأمور، فتقتصد في ورقة، وتجادل في مقدار الحبر، وتتشدد في إجراءات شكلية، بينما تبقى المشكلات الكبرى بعيدة عن دائرة المعالجة. ولم يكن الجاحظ وهو يصور تلك العقليات يروي طرفا للتسلية فحسب، بل كان يكشف مفارقة إدارية تتكرر في كل زمان: حين تتحول الوسائل إلى غايات، ويصبح الاهتمام بالمظاهر بديلا عن إصلاح الجوهر.
ذكرتني هذه النوادر بقصاصة صغيرة من الورق، كانت في طفولتنا أشبه بصك براءة الذمة.
في أيام الدراسة، إذا أراد أحدنا الخروج من المدرسة، قصد مكتب الأخصائية الاجتماعية، الأستاذة خديجة السنوسي رحمها الله، فتمنحه قصاصة إذن تحمل توقيعًا وختمًا. بعدها يعبر بوابة المدرسة مطمئنًا، يمر على المشرفين ثم الحارس، وقد استوفى جميع الاشتراطات الإدارية.
كانت تلك القصاصة تمنحنا شعورا بالحرية، وتجنّبنا مساءلة الآباء، رغم أن بعضنا كان يتحايل بادعاء المرض أو اختلاق عذر للخروج. ومع ذلك كانت الإدارة ترى في الورقة دليلا كافيًا على سلامة الإجراء، فتبرأ الذمة الإدارية بمجرد وجودها.
غير أن هذه القصاصة لم تعد مجرد ذكرى مدرسية، بل تحولت في ذهني إلى رمز لثقافة إدارية ما زالت تحكم كثيرًا من مؤسساتنا؛ ثقافة تفتش عن الورقة، والختم، والتوقيع، والانصراف، بينما تغفل السؤال الأكبر: أين العدالة؟ وأين الكفاءة؟ وأين تكافؤ الفرص؟
كلما تأملت موجة انتقال الموظفين من مؤسسة إلى أخرى، بدا لي أن الأمر لا يحتاج إلى كثير من التحليل. فهناك سببان يكادان يفسران الظاهرة بأكملها: تفاوت كبير في الرواتب بين مؤسسات الدولة، وفوارق شاسعة في ساعات الدوام وأعباء العمل. فمنهم من يعمل ساعات طويلة تحت ضغط إداري متواصل، ومنهم من لا تتجاوز ساعات دوامه الفعلية أيامًا معدودة في الشهر، ومع ذلك يتقاضى راتبًا أعلى وامتيازات أكبر.
ولعل الأخطر من ذلك أن هذه الفوارق لا تُبنى دائمًا على طبيعة العمل أو حجم المسؤولية، وإنما كثيرًا ما تتسلل إليها المحاباة والمحسوبية، فتفتح الأبواب لفئات بعينها، بينما يبقى الموظف الكادح أسيرًا للأنظمة والتعليمات والقصاصات الورقية التي تراقب حضوره وانصرافه بالدقيقة والثانية.
فتصبح قصاصة الورق قادرة على تبرئة ذمة موظف بسيط، في حين تعجز مؤسسات كاملة عن تبرئة ذمتها أمام المال العام، وأمام العدالة الوظيفية، وأمام المواطنين.
ومن المفارقات أن الدولة قد تنجح في إحكام الرقابة على الموظف الصغير، لكنها تعجز عن إيقاف نزيف الفساد الكبير. فكم من تصريحات رسمية تتحدث عن اختلاسات، وتجاوزات مالية، وقضايا فساد بمبالغ طائلة، ومع ذلك لا يزال المواطن يتساءل: هل انخفض الفساد فعلاً؟ وهل تحسن أداء المؤسسات؟ وهل انعكس ذلك على مستوى الخدمات والإنتاجية؟
إن مكافحة الفساد لا تبدأ بمحاسبة الموظف الذي تأخر دقائق عن الدوام، ولا بمنع ورقة أو تقنين حبر طابعة، بل تبدأ بإقامة ميزان واحد للحقوق والواجبات، فلا تكون الرواتب امتيازًا تمنحه العلاقات، ولا الوظائف مكافأة للمحسوبية، ولا المؤسسات جزرًا متباعدة في الحقوق والالتزامات.
فالعدالة ليست شعارًا يرفع، وإنما منظومة يشعر بها الموظف قبل المواطن. وحين يفقد الموظف الإحساس بالإنصاف، ويتسع الفارق بين من يعمل كثيرًا ويأخذ قليلاً، ومن يعمل قليلاً ويحصل على الكثير، فإن بيئة العمل نفسها تصبح أرضًا خصبة للإحباط، وربما للفساد الذي يُراد محاربته.
إن إصلاح الإدارة لا يكون بتكثير القصاصات، ولا بتشديد الإجراءات الشكلية، وإنما بإزالة أسباب التفاوت غير المبرر، وتوحيد معايير الأجور، وربط الامتيازات بالإنتاج، وإغلاق أبواب المحاباة والمحسوبية قبل إغلاق أبواب المكاتب.
فالدول لا تنهض بورقة تبرئ ذمة موظف، وإنما بعدالة تبرئ ذمة الدولة بأكملها.



