تيه البوصلة: كيف نستعيد منارة القدوة في عصر بريق الشاشة؟

أ. محمد العوامي
لو طرحنا على أنفسنا سؤالاً صريحاً: من الذي يقود عقول جيلنا الصاعد اليوم؟
في الماضي القريب، كانت البيوت والمساجد والمدارس هي المحاضن الدافئة التي تصنع وعي الطفل وتوجه طموحه. كان الصغير يغمض عينيه وهو يحلم أن يكون كعمر بن الخطاب في عدله، أو كابن حيان في علمه، أو كوالده في كفاحه وأمانته. أما اليوم، فقد اقتحمت الشاشات الصغيرة تلك الحصون، وباتت الخوارزميات هي التي تقترح على أبنائنا من ينبغي أن يحبوا، ومن يعجبهم، ومن يتخذونه دليلاً في الحياة.
إننا نعيش اليوم ما يمكن تسميته بـ “أزمة القدوة” ؛ حيث تراجع النموذج الحقيقي الملهم ليحل محله “نجم الشاشة السريع”، وتداخلت المفاهيم حتى غدا “المشهور” في عيون الكثيرين هو “القدوة” تلقائياً، وهو ما يفرض علينا وقفة واعية لتفكيك هذا التزييف واسترداد بوصلتنا المفقودة.
الفارق الجوهري: شتان بين من يحمل رسالة ومن يطلب إعجاباً!
لعل أولى خطوات العلاج تبدأ من تحرير المصطلحات في عقول جيلنا. فالشهرة والقدوة مساران قد يلتقيان نادراً، لكنهما في الغالب يفترقان تماماً:
• القدوة الحقيقية تبني العقول والقلوب: القدوة إنسان يُقتدى به في دينه، وأخلاقه، وعطائه، وأثره الحقيقي المستمر. هو شخص يستمد قيمته من نبل غايته وعمق معرفته، ويهدف إلى الارتقاء بمن حوله وإرضاء ربه أولاً. أثره عابر للأجيال، يمتد حتى بعد رحيله عن الدنيا.
• المشهور يعيش على لفت الانتباه: أما المؤثر الرقمي أو المشهور في هذا العصر، فقيمته غالباً ما تُقاس بلغة الأرقام: عدد المتابعين، ونسبة التفاعل، وعمر “التريند”. هو يعرض حياة “مفلترة” مصممة بعناية لجذب الانتباه وتحقيق الربح المادي والترويج الاستهلاكي، ولا يطالبك في الغالب بجهد لتطوير نفسك، بل يدعوك لتكون مستهلكاً مستمتعاً.
فالقدوة يطلب منك أن “تكون” (أن تبني ذاتك وتجتهد)، بينما المشهور يطلب منك أن “تظهَر” (أن تقتني وتستهلك لتشبهه).
جذور الأزمة: لماذا تغلبت الشاشة على المنبر والمحضن؟
لم يحدث هذا التحول مصادفة، بل غذته ثقافة مادية معاصرة ركزت على العاجل والسهل:
• بريق النجاح السريع والسهل: تُقدم منصات التواصل نموذجاً مشوهاً للنجاح يتلخص في الحصول على المال والوجاهة دون حاجة لسنوات من السهر والطلب والتحصيل العلمي. هذا النموذج يهدم في نفوس الشباب قيمة “الصبر والاحتساب” و”بناء النفس لبنة لبنة”.
• عطش القلوب للاهتمام: يبحث المراهق والشباب عن الانتماء والتقدير، ويجدون في مجتمعات المشاهير الافتراضية سداً لهذا الرمق، فيشعر الشاب بأنه جزء من عالم هذا المؤثر بمجرد الضغط على زر المتابعة، بينما يفتقد هذا الاحتواء الحقيقي في واقعه الأسري والاجتماعي.
• غياب البديل الجذاب: لقد قصرنا أحياناً في تقديم قدواتنا العظماء ـ من الصحابة والعلماء والمصلحين وأبطال الأمة ـ بأسلوب يناسب لغة العصر الرقمي وبصرياته، فبقي الطرح تقليدياً وجافاً، في حين يقدم الطرف الآخر بضاعته بأحدث تقنيات الجذب والتشويق.
يقول الله تبارك وتعالى في كتابه الكريم: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21]. هذه الآية تضع أيدينا على لب القضية؛ فالقدوة الحقيقية مرتبطة بالغاية الكبرى للاستخلاف، والوجهة النهائية للإنسان وهي الدار الآخرة، وليست مجرد إعجاب عابر بأسلوب عيش أو مظهر زائل.
آثار تسطيح القدوة على الهوية والروح
حين تصبح الشاشة هي الموجه الأخلاقي والسلوكي، تظهر ندوب واضحة في روح الجيل ونفسيته:
1. اضطراب تقدير الذات: مقارنة الشاب حياته الواقعية البسيطة بالصور الوردية المثالية للمشاهير تخلق في قلبه شعوراً بالدونية، وعدم الرضا المستمر عن عطاء الله له، مما يفتح عليه أبواب القلق والاكتئاب.
2. تسطيح الاهتمامات: تراجع الشغف بمعالي الأمور وعميق المعارف، لحساب تتبع سقطات المشاهير، وتفاصيل حياتهم اليومية، وخلافاتهم المصطنعة.
3. اهتزاز المعايير الأخلاقية: حين يرى الشاب أن “التفاهة أو الجرأة على القيم والدين” تكافأ بالملايين والشهرة والترحيب، تبدأ قناعته الداخلية بالقيم الأصيلة في التزلزل والضعف.
كيف نسترد منارة القدوة؟ (خارطة طريق عملية)
إن إلقاء اللوم على المؤثرين والمنصات لا يغير من الواقع شيئاً؛ فالماء يتدفق دائماً إلى الفراغ. والحل يكمن في ملء هذا الفراغ بوعي وجهد مشترك:
1. إحياء النموذج النبوي والقصصي الملهم: علينا أن نعيد كتابة سير الصحابة والعلماء والمصلحين وصناع التاريخ بلغة اليوم. نحتاج إلى إنتاج مرئي ورقمي راقٍ يروي بطولاتهم وتضحياتهم بأسلوب يشد القلوب والعقول وينافس الجاذبية الرقمية المعاصرة.
2. تفعيل القدوة الحية في البيت والمدرسة: الطفل لا يقتدي بما يسمعه، بل بما يراه. عندما يرى الطفل والده محافظاً على صلاته، باراً بوالديه، حريصاً على نفع الناس، متواضعاً، يتشرب هذه القيم تلقائياً دون خطب رنانة. القدوة القريبة الحانية هي الحصن الأول.
3. بناء الحصانة الفكرية والتربية الرقمية: من واجبنا كدعاة ومربين ألا نمنع الأبناء من الشاشات كلياً ـ فهذا غير واقعي ـ بل أن نعلمهم كيف ينظرون إليها بعين ناقدة. أن نطرح معهم تساؤلات من قبيل: “هل ما يقدمه هذا الشخص ينفعنا في ديننا أو دنيانا؟”، “ما الذي يجنيه من وراء هذا المقطع؟”، لكي نتحول من مرحلة “التلقي السلبي” إلى “الفرز الواعي”.
4. تثمين الجهد والإنتاج الحقيقي: يجب أن نحتفي في بيوتنا ومجتمعاتنا بصاحب الفضيلة والعلم، وحافظ القرآن، ومخترع الآلة، والابن البار، ونسلط الضوء عليهم ليعلم الجيل أن هؤلاء هم النجوم الحقيقيون الذين يفخر بهم المجتمع وتُرفع بهم الدرجات عند الله.
الشهرة سحابة صيف سرعان ما تقشعها شمس الواقع، أما القدوة الحقيقية فهي الغيث الذي يحيي الأرض بعد موتها ويبقى أثره نامياً مباركاً. إن معركتنا اليوم ليست مع الشاشات بذاتها، بل مع محتوى القلوب التي تنظر إليها. فلنعمر قلوب أبنائنا بحب العظماء الحقيقيين، ولنكن نحن نموذجاً حياً يرى فيه جيلنا قيم الإسلام تمشي على الأرض؛ لعلنا نكون لهم المنارة التي تهديهم وسط أمواج هذا الزخم الرقمي المتلاطم.




