اللهم إيمانًا كإيمان الأطفال!!

أ. فرج كريكش
أليس عجيبًا أن يطمئن الأطفال للمستقبل، وما إن ينضجوا حتى يساورهم القلق والاكتئاب؟
الأطفال لا يتعلقون بعالم الأسباب ولا يعيرونه اهتمامًا، ولا يوازنون بين قيمة المرتب الشهري وأوجه الصرف المتجددة، التي تترقب كأفواهٍ جائعة تُرهق الكريم وتجعل الحليم حيرانًا!!
الطفل الذي ينطرح على ظهره ويضرب الأرض بكلتا قدميه ملحًّا يشتهي الألعاب والدغدغات، لا يعرف شيئًا عن أسعار أحلامه ولا تكلفة أمنياته، حتى تنفجر زمزم تحت قدميه ماءً رقراقًا وتوكلاً بريئًا، يضحكُ من ركض الراكضين ومن خفقات قلوبهم الوجلة المتحفزة!
الغريب أنه ما إن يبلغ أحدهم الرُّشد ويمتلك الأدوات التي تمكنه من تأمل سور (الجن)، و(الكافرون)، و(الصمد)، و(الفلق)، و(الناس)، حتى يشرد بعيدًا عن طفولته وتوكله، والمُعوِّذات التي كانت ترافق طفولته كفطرة تشبه أحلامه
العذبة وخياله البهيج!
الأطفال لا يرخون السمع لدقات قلوبهم خوفًا من ذبحة صدرية، ويلعبون بالأكياس التي تصادف أجسادهم لا يجزعون ولا هم يحزنون، وأخوف ما يخافونه حُقنة الطبيب، ومشرطه، ووصفته التي تطمئن بذكرها قلوب الكبار!
عندما يقرأ الأطفال سورة (الناس)، لا يبالون بوسوسة الإنس ولا الجن، وإنما تروقهم القافية السينية والموسيقى التصويرية في السورة؛ فيرددون: (الناس.. الناس.. الوسواس.. الخناس.. الجنة والناس)، ويحسون اطمئنانًا تفتقده مخاوف الآباء؛ تلك المخاوف التي لا تنتبه إلى أن تكرار ذكر الرب والملك والإله ورد خاصة لتغلق كل أبواب الخوف من المستقبل في الرزق والعمر والغيب، وتمنحهم الاعتقاد الجازم الذي يقرؤونه في كتب التوحيد عن الألوهية والربوبية والأسماء والصفات!
لو أن الكبار درسوا على أيدي صغارهم لما اجتالتهم الشياطين، ولعلموا أنه لا مجال للقلق والوسواس وهو الرب والملك والإله.. “وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُم مَّاءً غَدَقًا”
الأطفال لا يحبون أفلام الرعب، ولا ظلام صالات السينما، ولا احمرار مجالس المشعوذين، وإنما يحبون الصباح ويعشقون النور والعصافير، وتستعيذ فطرتهم —كما لا يفعل الكبار قط— برب الفلق والصبح والنور؛ من شر ما خلق، ومن شر السحر والنفاثات في العقد، ومن شر الغيرة والتنافس والحسد.. غير أنهم إذا ما كبروا وجنّ الليل، استمرؤوا عتمة الخلوات، ومؤامرات العيون الحاسدة، والصفقات المشبوهة التي تختبئ تحت الطاولة حيث الظلام والغسق!!
أيها الكبار المكتئبون.. هَلاّ قرأتم “الفلق” بتأتأة طفل لا يحب النوم في الغرف المظلمة؟
الأطفال لا يحسنون التلون ولا المراوغة ولا الظهور بوجهين، إنهم على سجيتهم يسمون الأشياء بمسمياتها كما في سورة (الكافرون )!
تُرى ما معنى كلمة (الصمد) يا أستاذ؟ — من انتهى سؤدده، والذي يُصمَدُ إليه في الحوائج.
فمالكم تلجأون لغيره وتتمسحون على أعتابه، وقد تكفل الله بكم صغارًا يولد أحدكم أحمر ليس به قشرة ثم يرزقه الله؟!
ينام الطفل متوكلاً على الصمد، بينما يستيقظ الوالد الغارم وجلاً من الغد ومن همّ الدَّين!
ولو أنه طرح جانباً تلك التعريفات الميتة، وتأمل قليلاً في ابتسامة الذي يرقد مطمئنًا بجانبه، لقال: «سبحان الواحد الأحد الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤًا أحد»!
الصمد يا أستاذ: هو من يرتاح عنده المتعب، ويلجأ إليه المهموم، ويستنجد به الغارم، وتأتمر بأمره كل ذرة في هذا الكون!
وهأنذا يافعٌ في مدرجات الجامعة، فما الذي تغير؟ أسألُ (الدكتور ): ما تعريف الاقتصاد؟ فيجيبني: إنه العلم الذي يحل المشكلة الاقتصادية! وما المشكلة الاقتصادية يا دكتور؟ — ندرة الموارد واطراد عدد السكان! ومتى نضبت موارد الأرض ومتى توقفت الأمهات عن الإنجاب يا دكتور؟! لعله الشيطان يعدكم الفقر ويأمركم بالإجهاض؟!
أرجعوني طفلاً يشبه الطير؛ تغدو خماصًا وتروح بطانًا، لا تعرف شيئًا عن الاقتصاد، ولا البورصة، ولا ضغط الدم الذي يرتفع بارتفاعها وانخفاضها.
ختام فصل الْمَقَاوِلُ، في السور التي تبدأ بصيغة فعل الأمر (قل)
الجن، الكافرون، الصمد، الفلق، الناس.




