النظر إلى الوالدين: بين نظرات ترضي ونظرات تؤذي.

الشيخ د.بنسالم باهشام
عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين
الحسرة التي لا تنفع معها دمعة:
قال تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾. [إبراهيم: 34]، وإن من أعظم نعم الله على الإنسان، أن يمنحه والدين يكونان له سندًا في طفولته، ورحمةً في ضعفه، ودعاءً يحيط به في حياته. ولكن كثيرًا من الأبناء، لا يعرفون قدر هذه النعمة، إلا بعد أن تنقطع، ولا يشعرون بقيمة وجه الأب، والأم، إلا حين يصبح ذلك الوجه ذكرى محفوظة في صورة، أو ملامح عالقة في الذاكرة.
كم من أمٍّ كان وجهها ينتظر ابتسامة من ولدها، فلم تجد إلا العبوس والإعراض!وكم من أبٍ كان يفرح أن يرى ابنه مقبلًا عليه بوجه منبسط، وابتسامة عريضة، فإذا بالابن يمر بجانبه منشغلًا بهاتفه أو دنياه!… ثم يأتي يوم، يجلس فيه الابن أمام صورة أبيه أو أمه، فيطيل النظر إليها، ويقول في نفسه: ليتني ابتسمت في وجه أبي وأمي أكثر… ليتني جلست معهما أكثر… ليتني قبّلت رأسيهما… ليتني لم أرفع صوتي عليهما… ليتني لم أكن أقطّب وجهي وأنظر إليهما نظرة شزراء، حين يتحدثان إليّ…وهنا تأتي الحسرة التي لا تنفع معها دمعة.
أولًا: العين لغةٌ من لغات البر بالوالدين:
الكثير من الشباب لا يعيرون أهمية للغة الجسد تجاه آبائهم، وخصوصا العينين، إذ ليست براءة الوجه أمرًا شكليًا في علاقة الإنسان بوالديه؛ فالوجه قد يحمل الرحمة، وقد يحمل الجفاء، وقد يقول ما لا يقوله اللسان. ولهذا كان القرآن شديد العناية بأدب التعامل مع الوالدين، فقال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا* وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. [الإسراء: 23 – 24] ولنتأمل جميعا قوله تعالى:﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. فالبر ليس مجرد أن تطعم والديك، أو تنفق عليهما، أو تشتري لهما حاجاتهما؛ وإنما البر أيضًا، حالٌ يظهر على الوجه، ونبرةٌ تظهر في الصوت، ونظرةٌ تظهر في العين، وحركةٌ تظهر في الجسد. قد تعطي أباك مالًا، ولكنك تؤلمه بنظرة. وقد تشتري لأمك هدية، ولكنك تجرحها بعبوس. وقد تقضي لهما حاجاتهما، ولكنك تحرمهما شيئًا يحتاجانه أكثر من المال، وهو الحنان والاهتمام، والشعور بأنهما عزيزان عليك. قال تعالى في سورة البقرة:﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ [البقرة: 263]، إن لغة العين وتصرفات البصر، من أبلغ صور البر والإحسان إلى الوالدين،أو عقوقهما؛ فالنظرة تعكس ما يكنّه القلب من تعظيم ومحبة وذلٍّ ورحمة، أو كبر واستثقال.
1 – خفض الجناح والنظر برحمة وتواضع:
أمر الله تعالى بالتواضع والتذلل للوالدين، فقال سبحانه في سورة الإسراء: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾[الإسراء: 24]، فسر أهل العلم خفض الجناح بالانكسار والتواضع لهما، والنظر إليهما بعين الرأفة والرحمة والمحبة، جاء في التفسير الوسيط: ( وينبغي بحكم هذه الآية، أن يجعل الإنسان نفسه مع أبويه في حال ذلّة، في أقواله وسكناته ونظره، من غير حملة، أو نظرة غاضب، رحمة بهما؛ وشفقة عليهما، تنبع تلك الرحمة من النفس، لا من أجل امتثال الأمر، وخوف العار والنقد فقط).[التفسير الوسيط، المؤلف: د. وهبة بن مصطفى الزحيلي
الناشر: دار الفكر – دمشق، الطبعة: الأولى – (1422 ه)ـ (2/ 1340)]
وبيّن عطاء بن أبي رباح في معنى الآية: (يَدَاك لَا تَرْفَعهُمَا عَلَى أَبَوَيْك، وَلَا تَحُدَّ بَصَرَك إلَيْهِمَا إجْلَالًا وَتَعْظِيمًا).] أحكام القرآن للجصاص، تحقيق قمحاوي – (ج 5، ص 20)]
2 – النهي عن إحداد النظر إليهما:
من الأدب الراسخ عند السلف، ألا يملأ الولد عينيه من والديه مغاضبًا أو معاتبًا:
قال عروة بن الزبير: (مَا بَرَّ وَالِدَهُ مَنْ أَحَدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِ)،[ أحكام القرآن للجصاص، تحقيق قمحاوي – (ج 5، ص 20)]، وجاء عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في تفسير الإحسان بالوالدين: (يُرِيدُ الْبِرَّ بِهِمَا مَعَ اللُّطْفِ وَلِينِ الْجَانِبِ، فَلَا يُغْلِظُ لَهُمَا فِي الْجَوَابِ، وَلَا يُحِدُّ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا، وَلَا يَرْفَعُ صَوْتَهُ عَلَيْهِمَا).[الموسوعة الفقهية الكويتية – (ج 8، ص 69)]، وأرشد أبو هريرة رضي الله عنه رجلًا في أدب التعامل مع والده قائلًا: (… وَلَا تَحُدَّ النَّظَرَ إِلَى أَبِيكَ). [ بر الوالدين، جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت597هـ) – (ج 1، ص 2)]
3 – تجنب نظرات الاستخفاف والغضب (النظر شزرًا)
سُئل الفضيل بن عياض عن بر الوالدين، فقال: «لَا تَقُومُ إِلَى خِدْمَتِهِمَا وَأَنْتَ كَسْلَانُ، وَلَا تَرْفَع صَوْتَكَ عَلَيْهِمَا، وَلَا تَنْظُر إِلَيْهِمَا شَزْرًا…» [ موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق،
“قصص تربوية من حياة الأنبياء والصحابة والتابعين والصالحين“، ياسر عبد الرحمن
الناشر: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع والترجمة، القاهرة، الطبعة: الأولى،(1428هـ – 2007 م) – (ج 2، ص 29)]، (والنظر شزرًا، هو النظر بمؤخرة العين استهانةً أو غضبًا). ويُعد النظر إلى الوالدين بازدراء، أو الإشاحة بالوجه عنهما، أو عدم الالتفات إليهما وإهمالهما حين يتحدثان، من مظاهر الجفاء والمخالفة للبر [موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق – (ج 2، ص 36)]
4 – رعاية مشاعرهما من خلال ما تراه أعينهما:
من تمام الرحمة بالوالدين والبر بهما بالبصر، ألا يريا من ولدهما ما يكسر خواطرهما، أو يحزنهما؛ فالإبكاء والتحزين معدودان من العقوق، وحسن الصحبة يقتضي ملاطفتهما وإظهار البِشْر والسرور في وجوههما لتقرّ أعينهما] المسلم وحقوق الآخرين، المؤلف: أبو فيصل البدراني – (ج 1، ص 17)].
ثانيًا: نظرة الرحمة إلى الوالدين… حين تكون العين بابًا إلى القلب:
تُعدّ لغة العين وتصرفات البصر، من أبلغ صور البر والإحسان إلى الوالدين، أو العقوق لهما؛ فالنظرة تعكس ما يكنّه القلب من تعظيم ومحبة وذلٍّ ورحمة، أو كبر واستثقال.
العين هي مرآة القلب، وترجمان ما يستقر فيه من مشاعر؛ ولذا كانت نظرة الولد إلى والديه، أصدق تعبير عن حقيقة برّه أو عقوقه، وباباً تتصل عبره عاطفة النفس بجوارح الجسد.
وحين يفيض القلب بالرحمة والمحبة لوالديه، تنعكس تلك المشاعر في نظرات تفيض بالسكينة والإجلال:
1 – نظرة الرحمة عبادة وقربة:
بحثت في كتب الحديث لأعثر على حديث نبوي شريف يتحدث عن فضل النظر الى الوالدين، فوجدت أنه لم يرد في فضله شيء يمكن أن يستند إليه، إذ كل الآثار التي وردت فيه، بعضها ضعيف جدًّا، وبعضها موضوع، أو منكر.
– أخرج البيهقي رحمه الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ما من ولد بار ينظر إلى والديه نظرة رحمة إلا كتب الله له بكل نظرة حجة مبرورة ” . قالوا : وإن نظر كل يوم مائة مرة ؟ قال : ” نعم الله أكبر وأطيب). فهذا الحديث أخرجه الحاكم في تاريخه، وابن النجار، وغيرهما، وهو حديث موضوع. [ينظر: مشكاة المصابيح (3 : 72رقم 4944).)، وأورده الذهبي في سير أعلام النبلاء (19/208)، وقال حديث منكر، وأخرجه أبو بكر الإسماعيلي في “معجم أسامي الشيوخ“ (1/320)، والديلمي في “الفردوس“(6057)، والرافعي في “التدوين“ (3/423) باختلاف يسير].
– عن أم المؤمنين عائشة –رضي الله عنها- أنه صلى الله عليه وسلم قال: (النظر في ثلاثة أشياء عبادة: النظر في وجه الأبوين، وفي المصحف، وفي البحر). وفي رواية: ( النظر إلى الكعبة عبادة، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة، والنظر في كتاب الله عبادة.)[وقد ذكره ابن أبي داود في المصاحف، وابن حبان في الثواب، والديلمي في مسند الفردوس، وأبو الشيخ. وإسناده ضعيف، ضعفه ابن عدي، والذهبي].
فهذه الأحاديث لا تصح عن النبي ﷺ، وقد حكم عليها أهل الحديث بالضعف، بل حكم عليه بعضهم بالوضع أو النكارة. ومع عدم صحة هذهالأحاديث، فإن أصل الرحمة بالوالدين ثابت بأدلة صحيحة صريحة من القرآن والسنة، وليس المسلم بحاجة إلى حديث ضعيف لإثبات فضل الرحمة بوالديه. فالله سبحانه لم يقل فقط: اخْدُمهما، وإنما قال:﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾. فالنظرة الرحيمة التي تحملها عين الابن لأبيه وأمه، هي ثمرة طبيعية لهذا الخفض والرحمة. أن تنظر إلى وجه أبيك وأمك وأنت تقول في قلبك: هذا أبي الذي تعب من أجلي… وهذه أمي التي سهرت من أجلي… وهذان اللذان حملا همي قبل أن أحمل هم نفسي. ثم تبتسم. في وجههما، وينبسط وجهك عند رؤيتهما، ما أجمل هذه العبادة الأخلاقية!
2 – سر خفض الجناح «من الرحمة»:
قال الله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾، بيّن أهل التفسير أن معنى الآية هو التواضع والتذلل لهما بدافع فرط الرحمة والعطف في القلب، كحال الطائر حين يبسط جناحيه ليضم فراخه رعاية وشفقة، وأن يكون خفض الجناح نابعاً من رقة القلب وصدق المحبة، لا عن تكلفٍ أو رياء، والنظر إليهمابعين الحنو والرأفة تعويضاً عن افتقارهما وضعفهما في الكبر بعد أن كان الولد هو المفتقر إليهما في الصغر.
3 – كف بصر الغضب وحراسة القلب:
لأن نظرة العين تكشف بواطن النفس سريعاً، لهذا حرص السلف على تحذير البارّ من أن تبدر من عينيه أي إشارة استثقال أو غضب، قال عروة بن الزبير في قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾:«إِنْ أَغْضَبَاكَ فَلَا تَنْظُرْ إِلَيْهِمَا شَزْرًا، فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يُعْرَفُ بِهِ غَضَبُ الْمَرْءِ شِدَّةُ نَظَرِهِ إِلَى مَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ» [موارد الظمآن لدروس الزمان – (ج 3، ص 419)]، وقيل لـلحسن البصري: إلى ما ينتهي العقوق؟ قال: «أَنْ يَحْرِمَهُمَا وَيَهْجُرَهُمَا وَيُحِدَّ النَّظَرَ إِلَيْهِمَا»؛ إذ إن إحداد النظر والحدقة علامة على قسوة القلب وزوال مهابة الوالد وتوقيره ] بر الوالدين – (ج 1، ص 2)]
4 – رعاية مشاعر الوالدين بما تقع عليه أعينهما:
من تمام تدفق الرحمة القلبية ألا يرى الوالدان من ولدهما ما يورثهما هماً أو غماً، لهذا لابد من الحرص على إبداء البشاشة والابتسامة في وجوههما ليدخل السرور عليهما[ مجلة البيان — ع 183، ص 50]، وإخفاء معالم الحزن والهموم الشخصية عنهما قدر المستطاع، لأن شفقة قلب الوالدين تجعلهما يتألمان لألم ولدهما أشد مما يتألم هو لنفسه.
ثالثًا: الابتسامة في وجه الوالدين:
روى ابن حبان في صحيحه، عن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (تبسمك في وجه أخيك صدقة). [أخرجه ابن حبان في صحيحه ج2/ص222 ح474]، فإذا كانت الابتسامة في وجه الأخ صدقة، فكيف بابتسامةٍ صادقة في وجه أم حملتك، وأرضعتك، وسهرت عليك؟ وكيف بابتسامة في وجه أبٍ أفنى سنوات عمره في طلب رزقك، وحفظك، وتعليمك، والقيام على شأنك؟ إن بعض الأبناء يبتسمون للغريب، ويضحكون مع الأصدقاء، ويجاملون الزملاء، فإذا دخلوا البيت تبدلت وجوههم، وقطّبوا جباههم، وضاقت صدورهم!وهذه مفارقة تربوية مؤلمة. لماذا يكون الغريب صاحبَ الابتسامة، ويكون الأب والأم أصحاب العبوس؟ لماذا نختار أجمل كلماتنا للناس، ثم نترك أقسى كلماتنا لأقرب الناس إلينا؟ إن من البر أن تجعل لوالديك نصيبًا من أجمل وجهك، وألطف صوتك، وأهدأ حديثك.
رابعًا: النظرة الشزراء للوالدين … جرحٌ قد لا ينسى:
من أقسى ما يمكن أن يراه الأب أو الأم من ولدهما، أن يقطب وجهه عند الحديثمعهما، أو ينظر إليهما نظرة غضب، أو يشيح بوجهه عنهما، أو يتأفف من كلامهما. وقد نهى الله عن أدنى كلمة تضجر، فقال: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾. فإذا كان القرآن ينهى عن كلمة «أف»، فكيف بنظرةٍ تحمل معنى الاحتقار؟ وكيف برفع الصوت؟ وكيف بإدارة الوجه؟ وكيف بالسخرية؟ وكيف بإظهار الضجر؟ إن الابن قد ينسى نظرةً ألقاها، ولكن الأب أو الأم قد يعيشان ألمها أيامًا. وقد يكون الوالدان في آخر مراحل العمر، فلا يحتاجان من ولدهما إلى محاضرات طويلة، وإنما يحتاجان إلى أن يشعرَا أنهما محبوبان، ومقدَّران، ومرغوب في صحبتهما.
خامسًا: من أعظم البر أن تنظر إلى ضعف والديك بعين الرحمة:
حين كان الوالدان قويين، كانا يحملانك. واليوم قد جاء الدور عليك لتحملهما.
حين كنت صغيرًا، كنت تعيد السؤال عشر مرات، وكانا يجيبانك. والبشر على وجههما،
واليوم قد يسألانك مرة واحدة، ولا من يجيب رغم انك سمعتهما، فلا تجعل كلامهمايضيق به صدرك. حين كنت تتعثر في الكلام، كانا يصبران عليك. واليوم قد يتلعثم لسان أحدهما، أو ينسى بعض الأشياء، فاصبر عليه. وحين كنت تحتاج إلى من يمسك يدك، كانا يمسكانها. واليوم قد تحتاج أيديهما إلى يدك. وهنا يظهر صدق قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. إنها قاعدة تربوية عظيمة: كما رأيتَ ضعفك صغيرًا بعين الرحمة، فانظر إلى ضعفهما كبيرين بالعين نفسها.
سادسًا: السلف وظهور البر بالوالدين في التفاصيل:
كان السلف يعرفون أن البر بالوالدين يظهر في التفاصيل، ومن أجمل ما نقل في هذا الباب، ما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه في معاملته لأمه، فقد كان إذا أراد الخروج، وقف على بابها وقال:(السلام عليك يا أماه ورحمة الله وبركاته)، فتجيبه، ثم يقول: (رحمك الله كما ربيتني صغيرًا)، فتقول: (رحمك الله كما بررتني كبيرًا). ثم إذا أراد الدخول صنع مثل ذلك. وقد روي ذلك في «الأدب المفرد»، وإن كان إسناده لا يخلو من ضعف. والشاهد التربوي عظيم: السلام، والرحمة، والدعاء، والاعتراف بالجميل.
هذه هي لغة البر. وكان من وصايا أبي هريرة رضي الله عنه في أدب الوالدين: (لا تمشين أمام أبيك، ولا تجلس قبله، ولا تدعه باسمه، ولا تستسب له). وهذه المعاني وإن اختلفت تفاصيل تنزيلها باختلاف الأعراف والأحوال، فإنها تكشف عن روح عظيمة عاش عليها السلف: تعظيم الوالدين، وإكرامهما وصيانة مكانتهما.
سابعًا: أخطر لحظة… حين يصبح وجه الوالدين صورة:
ما دام الأب حيًا، فوجهه أمامك. وما دامت الأم حية، فابتسامتها أمامك. يمكنك أن تدخل عليهما. كما يمكنك أن تقبّل رأسيهما. وأن تقول لهما: أحبكما. ويمكنك أن تجلس بجوارهما. كما يمكنك أن تصلح ما أفسدت. وأن تعتذر. لكنه يأتي يوم…ولا يبقى إلا الإطار. صورة الوالدين أو أحدهما على الجدار. أو صورة في الهاتف.أو صورة في ألبوم قديم. عندها ينظر الإنسان في الصورة الجامدة إلى الوجه الذي كان يستطيع أن يراه كل يوم، فيبكي لأنه لم ينظر إليه كما ينبغي. فيا من لا يزال أبوه حيًا: لا تنتظر الصورة الجامدة. ويا من لا تزال أمه حية: لا تؤجل الحنان إلى يوم الجنازة. قل الآن: يا أمي، أحبك. قل الآن: يا أبي، جزاك الله عني خيرًا.اقترب الآن. ابتسم الآن. قبّل رأسهما الآن. فربما يأتي يوم تتمنى فيه دقيقة واحدة فقط تعود فيها إلى الماضي، فلا تعود.
ثامنًا: ماذا عن تقبيل صور الوالدين بعد وفاتهما؟
قد يحتفظ الإنسان بصورة والده أو أمه بعد وفاتهما، وينظر إليها فيتذكرهما ويبكي، وقد يقبّل الصورة تعبيرًا عن شدة الحنين والمحبة. وهذا ليس عبادة شرعية مخصوصة، ولا ورد في السنة أن تقبيل صورة الميت من أعمال البر به؛ ولذلك ينبغي أن لا نجعل ذلك سنة أو شعيرة دينية. لكن القضية الأهم؛ ليست الصورة.القضية أن يتحول الحنين إلى عمل صالح حقيقي، يصل ثوابه إليهما. فإذا رأيت صورة أبيك المتوفى، فلا تجعل الحنين ينتهي عند الدموع، بل قل: اللهم اغفر له وارحمه. وإذا رأيت صورة أمك، فتذكر قول الله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. ثم تصدق عنهما، وصل رحمهما، وأكرم أصدقاءهما، ونفذ وصيتهما المشروعة، وأكثر من الدعاء لهما. فهذه هي البركة الحقيقية التي ينبغي أن يبقى أثرها بعد رحيلهما. روى أحمد، والبخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا مات الإنسانُ انقطع عملُه إلا من ثلاثةٍ: إلا من صدقةٍ جاريةٍ، أو علمٍ يُنْتَفَعُ به، أو ولدٍ صالحٍ يدعو له) [أخرجه أحمد (2/372، رقم 8831)، والبخاري في الأدب المفرد (1/28، رقم 38)، ومسلم (3/1255، رقم 1631)، وأبو داود (3/117، رقم 2880)، والترمذي (3/660، رقم 1376)، وقال: حسن صحيح . وابن ماجه (1/88 ، رقم 242). وأخرجه أيضًا: النسائي (6/251، رقم 3651) ]. فما أعظم أن يكون الابن بعد موت أبيه وأمه امتدادًا صالحًا لأعمالهما.
تاسعًا: لا تجعل صورة الوالدين شاهدًا على تقصيرك:
تأمل هذا المشهد: ابن يجلس في غرفته، يفتح هاتفه، فتظهر أمامه صورة أمه.ينظر إليها طويلًا. ثم يضع الهاتف على صدره ويبكي. لماذا؟ لأنه يتذكر أنها كانت تقول له: اجلس معي قليلًا. وكان يسوف ويقول: بعد قليل. وكانت تقول: كل معي.فيقول: لست جائعًا. وكانت تقول: تعال اجلس بجانبي. فيقول: أنا مشغول. ثم رحلت الأم… فصار يتمنى «قليلًا» من الذي كان يرفضه! وهذا هو معنى الحسرة.الحسرة ليست أن تفقد الوالدين فقط؛ وإنما أن تفقدهما وأنت تعرف أنك كان بإمكانك أن تفعل أكثر.
عاشرًا: برنامج عملي للبر بالوالدين:
من أراد أن يجعل معاني البر بالوالدين واقعًا، فليجعل له برنامجًا بسيطًا:
1 – كلما رأيت والديك ابتسم في وجهيهما.
2 – إذا تحدثا إليك، فأقبل بوجهك عليهما، ولا تنشغل عنهما بهاتفك.
3 – لا ترفع صوتك عليهما، ولا تقاطعهما بحدة.
4 – قبّل رأسيهما ويديهما كلما أتيحت لك الفرصة.
5 – أكثر من قول: جزاكما الله عني خيرًا.
6 – اسألهما عن حاجتهما قبل أن يطلباها.
7 – اجلس معهما ولو دقائق؛ فالوقت الذي تراه قليلًا قد يكون عندهما أعظم هدية.
8 – إذا أخطآ في شيء، فلا تجعل تصحيح الخطأ سببًا للإهانة.
9 – إذا ماتا، فلا تجعل برك بهما ينتهي بموت جسديهما.
10 – اجعل الدعاء لهما عادة يومية: ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
خاتمة: لا تنتظر الصورة:
أيها الابن… ، إذا كان أبوك أمامك الآن، فانظر إليه. ولكن لا تنظر إليه بعين الناقد، ولا بعين من يبحث عن عيوبه. انظر إليه بعين الرحمة. انظر إلى وجهه وتذكر كم مرة حملك. انظر إلى يديه وتذكر كم مرة عمل من أجلك. انظر إلى شعره الأبيض، وتذكر أن جزءًا من هذا الشيب جاء من هموم الحياة التي عاشها من أجلك. وأيتها الابنة… إذا كانت أمك أمامك الآن، فانظري إليها. لا تنظري إلى تجاعيد وجهها، بل انظري إلى تاريخ طويل من التضحية. لا تنظري إلى ضعفها، بل تذكري قوتها يوم كنت أنت ضعيفة. لا تنظري إلى تكرار كلامها، بل تذكري أنها كانت تكرر عليك الكلام حين كنت صغيرة، ولم تكن تمل منك. ابتسما لهما قبل أن تبحثا عن صورتهما. اقتربا منهما قبل أن تشتاقا إلى قربهما. قبّلا رأسيهما قبل أن تقبّلا صورتهما. اعتذرا منهما قبل أن تعتذرا في داخلكما بعد فوات الأوان. فالصورة لا ترد جوابًا. والصورة لا تفتح لك بابًا. والصورة لا تقول لك: يا بني. والصورة لا تستطيع أن تمنحك فرصةً ثانية. أما الوالدان ما داما على قيد الحياة، فباب البر مفتوح. فلا تؤجل البر. فقد يأتي يوم تنظر فيه إلى الصورة طويلًا، وتتمنى لو عاد صاحبها لحظة واحدة… ثم تسمع في قلبك صوت الحسرة: ليتني نظرت إليه يوم كان حيًّا نظرةَ رحمة، بدل أن أنظر إلى صورته اليوم نظرةَ ندم. اللهم ارزقنا بر والدينا أحياءً وأمواتًا، وارزقنا رحمةً في قلوبنا، ولينًا في ألسنتنا، وبشاشةً في وجوهنا، ووفاءً بعد موتهم. اللهم اغفر لآبائنا وأمهاتنا، وارحم أحياءهم وأمواتهم، واجزهم عنا خير الجزاء. ﴿رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾.
قال ابن عون: (النظر إلى الوالدين عبادة)، اشبعوا من والديكم براً ومجلساً وحكمة وأجراً، واسألوا إن شئتم؛ من فقدهم عن الحسرة والألم على كل يوم قضوه بدون الاكتحال بهم. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.




