لماذا بكيتُ مرتين على رجالٍ كانوا أُممًا؟

الشيخ الدكتور: سالم الشيخي
اليوم، وعلى غير عادتي، فتحت صفحات التواصل الاجتماعي في وقت لا أفتحها فيه عادةً؛ فقد اعتدت أن يكون دخولي إليها مساءً، ولفترة محدودة، حتى لا تأخذ من يومي أكثر مما ينبغي.
لكنني اليوم فتحتها دون ترتيب أو قصد، فإذا بي أمام وثائقي بعنوان “النورس”، يتحدث عن شيخ الشعراء في ليبيا، الشيخ عبد المولى البغدادي -رحمه الله-لم أستطع أن أتوقف وبقيت أتابعه أكثر من أربعين دقيقة، أعيش مشاهده وكلماته وذكرياته لحظةً بلحظة، حتى انتهى بي الأمر إلى البكاء. ولم أكن أدري، على وجه الدقة: على ماذا أبكي؟ هل كنت أبكي عبد المولى البغدادي -رحمه الله-، الذي رحل عنا في العشرين من نوفمبر 2020؟ أم كنت أبكي جيلًا كاملًا من الرجال الذين أخذوا معهم شيئًا عظيمًا من زمانهم؟ أم كنت أبكي نفسي، وأنا أرى كيف تنقص من حولنا تلك القمم التي كنا نطمئن إلى وجودها؟
بالأمس كنت في احتفالية الإعلان عن أكاديمية الإمام يوسف القرضاوي، وبكيت أيضًا. واليوم أبكي الشيخ عبد المولى البغدادي. وكأن شيئًا في داخلي يقول: لقد فقدنا رجالًا، بل فقدنا أُممًا؛ فبعض الرجال ليسوا أفرادًا عابرين في حياة الناس، وإنما يكون الواحد منهم أمة.
عرفت الشيخ عبد المولى البغدادي -رحمه الله- لسنوات معدودة، وكنت أتواصل معه أحيانًا، ويتصل بي أحيانًا. وكنت كلما تحدثت معه في الهاتف أشعر بشيء من الاعتزاز والفخر، وأحمد الله على نعمته أن أتاح لي أن أعرف رجلًا من أمثال هؤلاء، وأن أتحدث إليه، وأن أسمع صوته وكلماته.
كان رجلًا يحمل في قلبه ونفسه معاني عظيمة؛ عاش حياته مع العلم والأدب واللغة والقرآن والشعر، وكأن أيامه كلها مدارس ومحطات ومعالم. تعلّم، وحفظ القرآن، وأتقن العربية، وأبدع في الشعر، وعاش مع الكلمة حتى أصبحت جزءًا من كيانه.
وكان في أمثاله شيء نفتقده اليوم بشدة؛ فلم تكن حياتهم قائمة على التفاهة، ولا كان همّهم أن يُرى الإنسان أكبر مما هو عليه، أو أن يكثر ظهوره دون أن يكون وراء هذا الظهور معنى. كانوا يعيشون للمعنى قبل الصورة، وللعلم قبل الشهرة، وللأثر قبل الحضور. كان الواحد منهم يحمل في داخله عالمًا كاملًا.
ولذلك، فإن رحيلهم ليس رحيل أشخاص فحسب؛ إنه رحيل تجارب، وذاكرة، ولغة، وأخلاق، وهيبة، ومعانٍ تربّت عليها أجيال.
حين أتأمل أولئك الرجال، أشعر أن المسألة ليست في كثرة ما قرؤوا أو كتبوا أو قالوا، وإنما في أنهم كانوا مشروعات إنسانية كاملة؛ جمعت بين العلم والأدب، وبين المعرفة والتربية، وبين الموهبة وحسن السيرة. ولعل هذا هو ما يجعل فقدهم مؤلمًا إلى هذا الحد.
نحن لا نبكي موتهم فقط، وإنما نبكي شيئًا من العالم الذي كانوا يمثلونه. نبكي زمنًا كان فيه للعلم هيبة، وللعالم مكانة، وللكلمة وزن، وللأدب أثر، وللقرآن حضور، وللرجل قيمة تتجاوز عدد متابعيه وشهرته بين الناس.
ومع ذلك، فإن من الوفاء لهؤلاء الرجال ألا تكون علاقتنا بهم علاقة حزن فقط. علينا أن نسأل: ماذا تركوا لنا؟ وماذا يمكن أن نحمل من آثارهم إلى أبنائنا؟ وماذا نتعلم من سيرهم؟ وكيف نعيد إلى حياتنا شيئًا من المعاني التي عاشوا لها؟ إن أعظم الوفاء للراحلين أن يبقى ما عاشوا من أجله حيًّا بعدهم.
رحم الله الشيخ عبد المولى البغدادي، ورحم الله الإمام يوسف القرضاوي، ورحم الله كل عالم وأديب ومربٍّ وصالح حمل في قلبه همَّ أمته، ثم مضى إلى ربه. وحفظ الله من بقي من هذه القمم، وأطال أعمارهم في الخير والنفع، وأكرمهم بالصحة والعافية، وأبقى آثارهم الطيبة في الناس.
اللهم لا تجعل رحيلهم نهايةً لما حملوه، بل اجعل ما غرسوه ممتدًّا في أبنائنا وطلابنا وأجيالنا. اللهم اجمعنا بهم في جنات النعيم، في مقعد صدق عند مليك مقتدر.
سالم الشيخي




