التربية الإيمانية وتزكية النفس:

أ. محمد العوامي
من «أنا» قارون إلى «فضل ربي» سليمان
يقف الإنسان في تعامله مع نعم الله بين مسارين متقابلين: مسار يرى النعمة من خلال الذات، فيورث العُجب والاستغناء، ومسار يرى الذات من خلال فضل الله، فيورث الشكر والافتقار والتواضع.
وبين هذين المسارين يعرض القرآن نموذجين بالغَي الدلالة: قارون وسليمان عليه السلام.
كلاهما أُوتي من أسباب الدنيا، وكلاهما امتلك ما يلفت الأنظار، لكن الفارق لم يكن في حجم النعمة، وإنما في موقف القلب منها: إلى مَن نسبها؟ وكيف فهمها؟ وماذا صنعت به؟
قال قارون:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: 78].
وقال سليمان عليه السلام:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ [النمل: 40].
قارون رأى نفسه، وسليمان رأى فضل ربه.
قارون رأى النعمة استحقاقًا، وسليمان رآها ابتلاءً.
قارون قال: «عندي»، وسليمان قال: «ربي».
ومن هنا تبدأ واحدة من أهم معارك تزكية النفس: معركة الإنسان مع تضخم الأنا ونسيان المنعم سبحانه.
أولًا: حين تتحول «الأنا» إلى حجاب عن الله:
ليست المشكلة في كلمة «أنا» ذاتها، وإنما في الأنا حين تتضخم حتى تحجب الإنسان عن رؤية فضل الله، وتدفعه إلى العُجب والاستعلاء واحتقار الآخرين.
وهذا ما ظهر في أول مواقف الكبر التي قصها القرآن علينا؛ حين أمر الله إبليس بالسجود لآدم، فاعترض قائلًا:
﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾ [الأعراف: 12].
لم تكن المشكلة في المقارنة وحدها، وإنما في قلب امتلأ برؤية نفسه حتى اعترض على أمر ربه.
وهذا الداء نفسه قد يتسلل إلى الإنسان في صور أكثر خفاءً.
فقد تكون «أنا» النجاح والاستحقاق؛ حين يقول الإنسان في قرارة نفسه: وصلتُ لأنني أذكى، ونجحت لأنني أقدر، وامتلكت لأنني أحسن من غيري، وينسى أن العقل والصحة والفرصة والقدرة والتوفيق كلها منحة من الله قبل أن تكون ثمرةً للجهد.
وقد تكون «أنا» المقارنة؛ حين لا يحتمل المرء أن يتقدم عليه غيره، فيقول في نفسه: كيف سبقني؟ وكيف اختير دوني؟ وكيف نجح وهو أقل مني؟
وقد تدخل «الأنا» حتى إلى أبواب الطاعة والعلم والدعوة والقرآن؛ فيرى المرء قراءته، أو علمه، أو عبادته، أو دعوته، أو قدرته على الكلام والتعليم، فيعجب بنفسه ويستصغر غيره.
وهنا تكمن خطورة العُجب؛ لأنه قد يدخل على الإنسان من الباب الذي يظنه باب نجاته.
فالعبد قد ينجو من معصية ظاهرة، ثم يُبتلى بالعُجب بطاعته.
ثانيًا: قارون وسليمان… النعمة واحدة والقلب مختلف:
يضع القرآن أمامنا نموذجين متقابلين في التعامل مع النعمة.
قارون، حين ذُكِّر بفضل الله عليه، قال:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.
فكانت المشكلة في كلمة «عندي»؛ لأنها كشفت تصورًا داخليًا يرى الذات مصدرًا للاستحقاق، وينسى فضل المنعم.
أما سليمان عليه السلام، فقد كان في موقف يستطيع فيه الإنسان أن يُفتن بقوته وملكه؛ فقد أُحضر إليه عرش ملكة سبأ قبل أن يرتد إليه طرفه، ومع ذلك لم يقل: هذا بسبب قوتي، ولا بسبب ملكي، ولا بسبب جنودي.
بل كان أول ما نطق به:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
وهنا يظهر الفرق بين قلبين:
قلب كلما ازدادت نعمته ازداد رؤيةً لنفسه، وقلب كلما ازدادت نعمته ازداد معرفةً بربه.
ولعل من أعظم الأسئلة التي ينبغي أن نسألها لأنفسنا:
ماذا يحدث لقلوبنا عندما ننجح؟
فالمشكلة ليست أن تملك، ولا أن تنجح، ولا أن تتميز، ولا أن يكون لك علم أو مال أو مكانة؛ وإنما المشكلة: ماذا يحدث لقلبك عندما تملك وتنجح وتتميز؟
هل يزداد افتقارك إلى الله، أم يزداد إعجابك بنفسك؟
ثالثًا: النعمة امتحان وليست وثيقة استحقاق:
قال سليمان عليه السلام:
﴿لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ﴾.
وهذه من أعظم قواعد التربية الإيمانية.
فكثير من الناس يعرفون الابتلاء عند المرض والفقر والفقد والمصائب، لكنهم قد ينسون أنهم يُبتلون كذلك بالصحة والمال والنجاح والعلم والقبول والمنصب.
وقد يكون امتحان النعمة أشد خفاءً؛ لأن المصيبة توقظ الإنسان غالبًا إلى حاجته إلى الله، أما النعمة فقد تخدعه حتى يظن أنه استحقها بذاته.
ولهذا لم ير سليمان في إحضار العرش مجرد كرامة، وإنما رأى وراءها امتحانًا:
﴿لِيَبْلُوَنِي﴾.
فالمال سؤال.
والعلم سؤال.
والمنصب سؤال.
والفصاحة سؤال.
والجمال سؤال.
والقبول بين الناس سؤال.
وكل موهبة أعطاك الله إياها هي سؤال جديد في امتحان العبودية:
ماذا ستفعل بها؟ وإلى مَن ستنسبها؟ وهل تقودك إلى الشكر أم إلى العُجب؟
فالنعمة ليست شهادة من الله بأنك أفضل من غيرك، وإنما أمانة واختبار ومسؤولية.
رابعًا: «هذا من فضل ربي» لا تعني إلغاء الجهد:
قد يظن بعض الناس أن نسبة النجاح إلى فضل الله تعني التقليل من قيمة العمل والاجتهاد، وهذا فهم غير صحيح.
فالإيمان لا يلغي الأسباب، وإنما يضعها في مكانها الصحيح.
اعمل.
وتعلم.
وخطط.
واجتهد.
وابذل وسعك.
وطور قدراتك.
ولكن لا تجعل السبب ربًّا صغيرًا في قلبك.
قل: بذلت جهدي، ولكن الله هو الذي وفق. أخذت بالأسباب، ولكن الله هو الذي فتح. زرعت، ولكن الله هو الذي أنبت.
وكم من إنسان بذل ولم يصل، وكم من ذكي لم يوفق، وكم من صاحب أسباب أُغلقت أمامه الأبواب.
ولهذا فإن المؤمن يجمع بين أمرين عظيمين:
كمال الأخذ بالأسباب، وكمال الافتقار إلى مسبب الأسباب سبحانه.
فلا يتواكل باسم التوكل، ولا يغتر بالأسباب باسم الاجتهاد.
خامسًا: الشكر يعود إليك قبل كل شيء:
قال تعالى:
﴿وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾.
الله سبحانه غني عن العالمين، فلا تزيد طاعتنا في ملكه، ولا تنقص معصيتنا من سلطانه.
وإنما نحن المحتاجون إلى الشكر.
نشكر حتى تبقى قلوبنا سليمة.
ونشكر حتى لا تتحول النعمة إلى حجاب بيننا وبين الله.
ونشكر حتى تدوم بركة النعم وتزداد، كما قال تعالى:
﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: 7].
والشكر ليس كلمة باللسان فحسب، وإنما هو معرفة بالقلب، وثناء باللسان، واستعمال للنعمة فيما يرضي المنعم سبحانه.
فشكر العلم أن تنفع به.
وشكر المال أن تؤدي حق الله فيه.
وشكر المكانة أن تجعلها بابًا لخدمة الناس.
وشكر القدرة أن تنصر بها الحق.
وشكر القرآن أن تعمل به وتعلّمه وتتأدب بأخلاقه.
سادسًا: كيف نكسر «الأنا» في حياتنا؟
تزكية النفس لا تتحقق بالشعارات، وإنما تحتاج إلى مجاهدة يومية ومحاسبة مستمرة.
1. عوّد قلبك على قول: «هذا من فضل ربي».
كلما تحقق لك نجاح، أو أثنى عليك أحد، أو أنجزت عملًا كبيرًا، فاستحضر المنعم قبل أن تستحضر نفسك.
2. لا تجعل حديثك الدائم عن نفسك.
أنا فعلت، وأنا أنجزت، وأنا صنعت، وأنا كنت السبب…
تعلم أن ترى فضل الله أولًا، ثم فضل من أعانك من الناس.
3. افرح بنجاح الآخرين.
إذا سبقك أحد إلى خير، فادع له بالبركة. وإذا وجدت في قلبك ضيقًا من تقدمه، فاعلم أن أمامك بابًا من أبواب تزكية النفس يحتاج إلى مجاهدة.
4. لا تستصغر أحدًا.
فمن أخطر آثار العُجب أن يرى الإنسان نفسه كبيرًا ويرى الناس صغارًا. ورب عبد خفي لا يعرفه الناس هو عند الله أعظم منزلة ممن ملأ اسمه المجالس والشاشات.
5. اجعل لك أعمالًا خفية بينك وبين الله.
صدقة لا يعلم بها أحد، وركعات في جوف الليل، ودعاء في الخلوة، وذكر لا يطلع عليه الناس؛ فإن أعمال السر من أعظم ما يعين القلب على الإخلاص ومقاومة حب الظهور.
6. تذكر هشاشة الأسباب.
صحة قد تتغير، ومال قد يذهب، ومنصب قد ينتهي، وذاكرة قد تضعف، وجمهور قد ينصرف.
فكيف يتكبر الإنسان بشيء لا يملك ضمان بقائه إلى الغد؟
سابعًا: من «عندي» إلى «ربي»… رحلة تزكية:
إن المسافة بين قارون وسليمان ليست مسافة مال وملك، وإنما مسافة قلب.
هناك قلب يقول:
﴿عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.
وقلب يقول:
﴿مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
الأول يرى نفسه في النعمة، والثاني يرى المنعم.
الأول تسأله النعمة: من أين لك هذا؟ فيجيب: من عندي.
والثاني تسأله النعمة السؤال نفسه فيجيب: من فضل ربي.
ومن هنا نفهم أن التواضع الحقيقي ليس أن تنكر قدراتك، وإنما أن تعرف مَن أعطاك هذه القدرات.
وليس الشكر أن تنكر جهدك، وإنما أن تعرف مَن أعانك على بذل الجهد وبارك نتيجته.
وليس الافتقار إلى الله ضعفًا، بل هو قمة القوة؛ لأن العبد حين يعرف أنه بالله لا بنفسه، يتحرر من عبودية ذاته ومن الحاجة إلى إثبات تفوقه أمام الناس.
أخيرا ماذا يقول قلبك عندما تنجح؟
في كل مرة يفتح الله لك بابًا، أو يحقق لك نجاحًا، أو يرفع لك قدرًا، أو يمنحك علمًا أو مالًا أو قبولًا، قف قليلًا أمام قلبك واسأله:
من أين لك هذا؟
وهنا يظهر الطريق.
إما أن يسمع القلب همس قارون:
﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي﴾.
وإما أن تشرق فيه كلمة سليمان:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.
وبين «عندي» و«ربي» تتحدد وجهة القلب.
فطوبى لعبد كلما ارتفع بين الناس ازداد تواضعًا لله، وكلما كثرت نعمه ازداد شكرًا، وكلما نجح ازداد افتقارًا، وكلما أثنى الناس عليه ازداد خوفًا من نفسه.
إن السلامة تبدأ حين يرى الإنسان أن كل توفيق خيط من رحمة الله، وأن كل قدرة أمانة، وكل نعمة اختبار.
وحينها تتحول النعمة من سبب للعُجب إلى باب للعبودية، ومن وسيلة للاستعلاء إلى طريق للشكر، ويعيش القلب في جنة الافتقار إلى الله؛ تلك الجنة التي يدخلها المؤمن في الدنيا قبل جنة الآخرة.
فإذا جاءتك النعمة، فلا يكن أول ما تراه فيها نفسك، بل قل بقلب سليمان عليه السلام:
﴿هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي﴾.




