اجتماعيةعامقضايامقالاتمقالات الرأي

 باب العزيزية: ذاكرة لا يطفئها الزمن

الشيخ د. سالم الشيخي
عشت بكل جوارحي عواطف متدفقة وأنا أتابع الوثائقي الذي قدمته ليبيا الأحرار حول أحداث باب العزيزية، أو ما يُعرف بأحداث مايو، وكأن الذاكرة استعادت ما حاول الزمن أن يطويه. وسبحان الله، لقد مضت أربعة عقود كاملة على تلك الأحداث، ومع ذلك ما يزال أثرها النفسي والإنساني حاضرًا بقوة، وكأن الزمن لم ينجح في إخماد حرارة الألم ولا رهبة اللحظة.
هذا الامتداد الزمني الطويل يستحق تأملًا عميقًا؛ لأن بعض الأحداث لا تتحول إلى ماض، بل تبقى علامات فارقة في وعي الشعوب وذاكرتها الجمعية. لقد كانت تلك الأحداث من أكبر الضربات التي هزّت أركان نظام القذافي، وأشعرته بأنه دخل مرحلة لم يعد قادرًا فيها على الاستمرار بالطريقة ذاتها.
أحيي كل من حمل ذاكرة تلك المرحلة الثقيلة بشجاعة وصدق، وأسأل الله أن يتقبل الشهداء، وأن يعافي كل من بقي يحمل آثار تلك السنوات في قلبه وروحه.
كما أخص بالتحية كل من تحدث في هذا الوثائقي، لما قدموه من طرح هادئ ورؤية عميقة تجاوزت مجرد سرد الوقائع إلى قراءة إنسانية وسياسية تكشف كيف يتحول الطغيان، مع مرور الوقت، إلى بنية كاملة تُفسد النفوس وتشوّه الوعي الجمعي.
لقد شدني في هذه المشاهد عدة أمور:
أولها: أن هذا المشهد يمكن أن يتكرر، وقد تكرر فعلًا في أكثر من زمان ومكان، وربما يعود بصورة أبشع إذا لم تتعلم الشعوب من تاريخها. فالاستبداد لا يولد فجأة، بل ينمو تدريجيًا حين يُغيب الوعي، وتُكسر هيبة العدالة، ويُطمس حق الإنسان في الكرامة والعيش الكريم.
وثانيها: أن الذين كانوا يهتفون عند المشانق ويصفقون للموت، لم يكونوا جميعًا وحوشًا بالفطرة، بل كانوا جزءًا من حالة نفسية واجتماعية صنعتها آلة الطغيان وسياسة الخوف والتعبئة والتجريد من الإنسانية. والمؤلم أن بعض هذه العقليات ما زالت قائمة بيننا، ويمكنها إعادة إنتاج المشهد إذا توافرت البيئة ذاتها.
أما الأمر الثالث، فهو محاولة فهم كيف يصل النظام العسكري المستبد إلى تلك المرحلة من القسوة والتوحش؛ كيف تتحول السلطة إلى آلة خوف وقتل، وكيف يرى الحاكم في المشانق استعراضًا للقوة بدلًا من أن تكون علامة على السقوط الأخلاقي. إنّ أي نظام يحتكر القوة، ويمنع المحاسبة، ويجعل القائد فوق النقد، يسير تدريجيًا نحو هذه النهاية، مهما اختلفت الشعارات وتبدلت الأسماء.
ورابعها: تلك الرؤى التي تكررت في حديث الأستاذ كمال الشامي بشأن خروجه مع الأستاذ سالم الحاسي من طرابلس، وكيف تحققت بصورة لافتة كما رُويت تقريبًا. وقد شدني هذا الجانب كثيرًا؛ لأنّ الرؤى الصادقة تبقى من بشريات الله لعباده، خصوصًا في أوقات الشدة والاضطراب. وحين تتكرر بهذه الصورة وتوافق مجريات الواقع، فإنها تترك أثرًا عميقًا في النفس، وتُذكّر بأن تدبير الله فوق حسابات البشر، وأن الله يثبت القلوب بلطائف خفية وسط الخوف والعتمة.
إن أخطر ما في الطغيان ليس القتل وحده، بل اعتياد الناس على الظلم حتى يصبح مألوفًا.
ولهذا تبقى استعادة تلك الأحداث بعد أربعين عامًا ضرورة أخلاقية قبل أن تكون استذكارًا سياسيًا؛ لأن الأمم التي تنسى آلامها قد تجد نفسها مضطرة إلى عيشها مرة أخرى.

Related Articles

Back to top button