عاممقالات الرأيمقالات تربوية

صعود التافهين.. عندما تنقلب موازين القيمة والتقدير

أ. محمد العوامي
في محكم التنزيل، يضع الله سبحانه وتعالى فاصلاً حاسماً بين قيمتين لا يمكن أن يستويا في منطق العقل أو الشرع: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ويعد عباده برفع مكانة أهل الفكر والإيمان درجات: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾. وطوال تاريخنا، لم يكن العلماء والمفكرون مجرد ناقلين للمعلومات أو كتب متحركة، بل كانوا عصب الأمة، وحراس قيمها، والبوصلة التي يهتدي بها الناس كلما ضلت بهم السبل.

لكن، لننظر إلى واقعنا اليوم بنظرة صريحة ومن دون رتوش؛ ثمة تبدل غريب ومزعج في موازين الشهرة والتأثير. أصبحنا نقيس قيمة الإنسان، للأسف، بعدد المتابعين وحجم المشاهدات، وكأن “الرقم” صار بديلاً عن عمق الفكر ونفع المجتمع. تراجع معيار الكفاءة الحقيقي ليحل محله “معيار الانتشار”، حتى لو كان هذا الانتشار مبنياً على فضيحة، أو إثارة جدل، أو صناعة تفاهة مُقنّعة.

والحق يقال، الأزمة ليست في الترفيه بحد ذاته؛ فالإسلام لم يكن يوماً ضد الترويح عن النفس، والقلوب تمل وتحتاج للراحة. المشكلة الكبرى تكمن عندما يتحول هذا المحتوى السطحي العابر إلى مرجع ثقافي، ويصبح “صانع الضجيج” هو الموجه الفعلي لعقول الشباب، متقدماً على المعلم، والمربي، والمفكر. هنا بالضبط تختل الأولويات، ويُقَدّم من لا يملك رسالة، بينما يُهمّش أصحاب الفكر والخبرة في الظل.
ولو فككنا المسألة لنفهم كيف وصلنا إلى هنا، سنجد أن المسؤول الأول هو ما يُعرف اليوم بـ “اقتصاد الانتباه” . هذه المنصات الرقمية تحكمها خوارزميات صماء لا تهتم بالأخلاق أو بقيمة ما يُقدم؛ همّها الوحيد هو إبقاء المستخدم مستيقظاً ومتفاعلاً. لذلك، يجد المحتوى الصادم أو المثيـر طريقه السريع للانتشار كالنار في الهشيم، بينما يحتاج المحتوى الرصين والعميق إلى نفس طويل وصبر شديد ليصل إلى جمهوره. وللأسف، دخلت بعض وسائل الإعلام التقليدية على الخط لتزيد الطين بلة، فجعلت من هؤلاء المثيرين للجدل “نجوماً” يتصدرون الشاشات، ومنحتهم مساحات لا يحلم بها عالم أو مبتكر.

هذا المشهد بدقته يعيدنا فوراً إلى تحذير نبوي شديد الوضوح، حيث قال النبي ﷺ: «سيأتي على الناس سنوات خداعات، يُصدَّق فيها الكاذب، ويُكذَّب فيها الصادق، ويؤتمن فيها الخائن، ويخوَّن فيها الأمين، وينطق فيها الرويبضة». وعندما سُئل: وما الرويبضة؟ قال: «الرجل التافه يتكلم في أمر العامة». هذا الحديث يرسم بدقة خطورة أن يتصدر غير المؤهلين لتوجيه الرأي العام وصناعة وعي الأمة.

لكن لنكن صادقين مع أنفسنا وموضوعيين: الملامة لا تقع على عاتق صناع المحتوى وحدهم؛ نحن كجمهور نتحمل الجزء الأكبر من المسؤولية. كل ضغطة زر، كل “إعجاب”، كل مشاركة لمحتوى تافه هي بمثابة وقود ندفعه لاستمراره. إننا نصنع بأصابعنا ما نشكو منه بألسنتنا! نمنح الشهرة لـمن لا يستحق، ثم نتساءل بذهول: كيف أصبح هذا الشخص مؤثراً؟
بالطبع، ليس غريباً أن ينجذب الناس للسهل؛ فالنفس البشرية بطبيعتها تمل الثقيل وتميل إلى التسلية السريعة التي لا تتطلب مجهوداً ذهنياً، بينما العلم والوعي يحتاجان إلى مكابدة وصبر. وكما قال السلف قديماً: «العلم لا يعطيك بعضه حتى تعطيه كلك». ومع سيطرة ثقافة الاستهلاك السريع، تراجعت الرغبة في القراءة والتأمل، وانتعشت سوق التفاهة.

ورغم قتامة هذا المشهد، إلا أن الأمل لا يزال ينبض، والخير لم ينقطع. فما زالت المنصات تضم قامات من علماء، ومربين، وأطباء، ومفكرين، شقوا طريقهم بإصرار، واستطاعوا بناء جمهور واعٍ يحترم عقولهم. هؤلاء يثبتون لنا يومياً أن الجودة لا تموت، وأن الكلمة الصادقة، وإن أخذت وقتاً لتنتشر، فإن أثرها يبقى محفوراً في العقول وأعمق بكثير من فقاعات المشاهدات المؤقتة.
المواجهة الحقيقية اليوم لا تكون بالندب والشكوى، ولا بالانعزال عن هذا العالم الرقمي، بل ببناء وعي جماعي ذكي يرتكز على ثلاث خطوات عملية:
* على المستوى الشخصي: فلنكن فلاتر ذكية؛ نختار بعناية من نتابع، وندعم المحتوى النافع، ونقاطع المحتوى الهابط بالتجاهل التام، فإماتة الباطل تكون بالسكوت عنه.
* داخل الأسرة: لنربِّ أبناءنا على التفكير النقدي، ولا نترك عقولهم مشاعاً للهواتف. لنربطهم بالقدوات الحقيقية وأصحاب الإنجازات، حتى لا يملأ الفراغ لديهم نجوم وهميون.
* مجتمعياً: من خلال دعم المبادرات الثقافية، والضغط على المؤسسات الإعلامية لتقدّم أصحاب الكفاءات، واستثمار الطاقات في تقديم محتوى هادف يجمع بين رصانة المضمون وجاذبية الإخراج.

في النهاية، الأمة التي ترفع من شأن علمائها ومربيها هي أمة تبني نهضتها على أرض صلبة. أما إذا تُرِك المعيار لعدد المشاهدات، فإننا نخسر أثمن ما نملك: وعينا وقيمنا وعقول شبابنا. معركتنا اليوم ليست مع التكنولوجيا، بل هي معركة وعي واختيار؛ تذكر دائماً أن كل “متابعة” هي شهادة، وكل “إعجاب” هو صوت تمنحه لصياغة المستقبل. فلنحرص على أن تكون أصواتنا وأوقاتنا في صف العلم والخير، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقول رسوله ﷺ: «الدال على الخير كفاعله». فبذلك وحده نعيد الأمور إلى نصابها، ونسترد موازين التقدير.

Related Articles

Back to top button